تأملات – جمال عنقرة – احذوا حذو العسكريين .. أطلقوا يد حمدوك

صادف يوم أداء الدكتور عبد الله آدم حمدوك القسم رئيسا لمجلس وزراء الحكومة الانتقالية بداية حلقة من برنامجي التلفزيوني (أوراق) الذي كنت أقدمه في قناة الخرطوم الفضائية، وكان ضيف تلك الحلقة الأستاذ إبراهيم الشيخ القيادي البارز في قوي إعلان الحرية والتغيير، الرئيس السابق لحزب المؤتمر السوداني، فتحدثنا قبل بداية الحلقة عن دكتور حمدوك، وقال لي إبراهيم الشيخ بلغة السودانيين، أن حمدوك “وقع لهم في جرح” فلقد كانوا في حيرة من أمرهم في تقديم شخصية مناسبة لرئاسة الوزارة قبل ظهور اسم الدكتور حمدوك، ورغم أني أميل إلي رأي الزعيم عبد الرسول النور المتحفظ علي رئيس وزراء بغير خلفية عمل سياسي عميق، متعظا في ذلك بتجربتي السيد سر الختم الخليفة بعد ثورة أكتوبر الظافرة في عام 1964م، وتجربة الدكتور الجزولي دفع الله بعد ثورة رجب أبريل 1985م، فالرجلان يمتلكان سيرة مهنية ممتازة، لكنهما يفتقران للتجربة السياسية، ولذلك لم يكن أداؤهما قدر التحدي، ومع ذلك استبشرت بالدكتور حمدوك خيرا، وأكثر ما حفزني علي التفاؤل أن الرجل زراعي، وليس انحيازا للزراعيين لأنني واحد منهم، ولكن شجعتني علي ذلك تجربة المهندس طارق عامر محافظ البنك المركزي المصري، فهو من أنجح الذين تعاقبوا علي قيادة البنك المركزي في مصر، وهو مثل الدكتور عبد الله حمدوك متخصص في الاقتصاد الزراعي، وفي دول مثل بلدنا ومصر تمثل الزراعة فيها محور الاقتصاد يكون الاقتصاديون الزراعيون أقدر من غيرهم علي قيادة اقتصاد البلد نحو النمو والازدهار، ولهذا تفاءلت بشخص الدكتور عبد الله حمدوك.
لا يختلف إثنان في تعثر أداء حكومة حمدوك في المرحلة السابقة، لا سيما في مجال الاقتصاد ومعاش الناس، وهذا ما عبر عنه الثائرون الذين خرجوا في مليونية تصحيح المسار في الثلاثين من يونيو الماضي، وهو ما اعترف به الدكتور حمدوك نفسه، واعترفت به أيضا الحاضنة السياسية للحكومة، قوي إعلان الحرية والتغيير، وهو ما يسعي الجميع الآن إلي تصحيحه، ولا أتفق مع من يحملون سبعة وزراء فقط فشل وضعف أداء الحكومة السابقة، وأعني الوزراء الستة الذين قبل رئيس الوزراء استقالاتهم، ووزير الصحة الذي تمت إقالته، فلو اتفقنا علي ضعف أداء بعض الوزراء المغادرين، فإن تقييم أداء بعضهم محل خلاف، ثم أن هناك وزراء آخرين لم تقبل استقالاتهم، ولم تتم اقالتهم، هناك شبه إجماع علي ضعف أدائهم، وفي تقديري أن السبب الأساسي لضعف بعض الوزراء، وضعف أدائهم يعود في المقام الأول إلي الطريقة التي تم بها ترشيحهم، وهي طريقة المحاصصة الحزبية، ومعلوم أن الاتفاق الأول كان قد أوصي بعكس ذلك تماما، وللأسف الشديد أن ذات المنهج القديم الذي قاد إلي هذا الفشل، هو ذات المنهج الذي تلتزمه القوي السياسية الحاضنة لحكومة الثورة، سواء علي مستوي إعادة تشكيل مجلس الوزراء بعد خروج السبعة، أو علي مستوي اختيار ولاة الولايات من المدنيين، وكما هو معلوم أن المحاصصة هذه المرة صارت أسفر، وكلهم يغلون أيدي رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك، ويلقون به في بحر المرحلة الإنتقالية متلاطم الأمواج، ويقولون له إياك أن تبتل بالماء.
كان العشم – ولا يزال – أن يحذو المدنيون في الحرية والتغيير عموما، وفي الجبهة الثورية حذو العسكريين في التعامل مع رئيس الوزراء الأمل المرتجي في إنقاذ الفترة الإنتقالية الدكتور عبد الله حمدوك، فالعسكريون تنازلوا عن حقوق ثابتة لهم من أجل دعم سلطات رئيس الوزراء، المرة الأولى عندما تحفظ دكتور حمدوك علي بعض سياسات والي الخرطوم السابق الفريق الركن أحمد عبدون حماد، وعزم علي إقالته، فبارك له العسكريون في المجلس العسكري هذا الإجراء رغم أنه لم يكن قد أصدر قرار تعيينه، ثم أشاروا إلي بقية الولاة العسكريين بالاستقالة لمنح رئيس الوزراء الفرصة كاملة لاختيار الولاة الذين ينسجمون معه، ففعلوا إلا أن الدكتور حمدوك أعاد تكليفهم مرة أخري لتسيير الأمور في الولايات إلي حين تعيين ولاة مدنيين، والثانية عندما عزم الدكتور حمدوك علي إقالة مدير عام الشرطة الفريق أول عادل بشائر استجابة لبعض الأصوات التي نادت بذلك، فعلي الرغم من أن هذا الحق هو حق أصيل للمكون العسكري، وعلي الرغم من تميز أداء السيد بشائر الذي شهد به كثيرون، إلا أن العسكريين قدموا رغبة رئيس الوزراء علي غيرها، وكان همهم إزالة كل العقبات التي يمكن أن تعيق مسيرته، وأرادوا له أن يحقق الانسجام مع كل أجهزة حكمه، وأعانهم علي ذلك الفريق بشائر الذي بادر بتقديم استقالته، وتفاكروا مع حمدوك في هدوء في اختيار البديل المنسجم معه، وتركوا له إعلان إعفاء القديم وتعيين الجديد.
وما فعله العسكريون أولي به مليار مرة المدنيون الذين قدموا السيد الدكتور عبد الله حمدوك لقيادة حكومة المرحلة الإنتقالية، فعليهم أن يطلقوا يديه، ويمنحوه الحرية كاملة في اختيار من يستعين بهم ويحملون معه مسؤولية الحكم، وله في ذلك أن يتشاور مع الجميع وفي مقدمتهم مركزية قوي إعلان الحرية والتغيير، وجميع مكونات الجبهة الثورية، وكل أهل السودان الفاعلين بلا استثناء، لا سيما أهل الاختصاص والخبرة في كل مجال في شأن مجلس الوزراء، ومع المجتمع المدني والإدارات الأهلية في شأن اختيار ولاة الولايات من المدنيين، وبالله التوفيق والسداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى