بُعْدٌ .. و .. مسَافَة – مصطفى ابوالعزائم – «أشهى» عمود صحفي …!

المستقبل له أبواب عديدة تفتح على الماضي، وكثير من أصحاب الفكر المتقدم بنوا مجدهم وفكرهم على الإرث القديم ، لكنهم طوّروا أساليب البحث والإستقصاء والتجريب ، استناداً على الخيال البنّاء ، لذلك خُلِّد كُتّابٌ وأدباء عاشوا حاضرهم وماضيهم معاً ، لكنهم عاشوا المستقبل القريب والبعيد أيضاً ، أي المنظور وغير المنظور ، عاشوه بخيالهم ، ومن بينهم على سبيل المثال ، الكاتب ذائع الصيت «جول فيرن» صاحب أكثر روايات الخيال العلمي انتشاراً ، والتي لا زالت تتصدّر قوائم المبيعات حتى يومنا هذا ، رغم أن هذا الكاتب الكبير – المولود في مدينة «نانت» الفرنسية عام 1828م – توفى منذ ما يقارب المائة وثمانية عشر عاماً ، إذ احتفل العالم عام 2005 م بمناسبة مرور مائة عام على وفاته ، وأطلق الفرنسيون والأدباء على تلك السنة إسم «سنة جول فيرن» ، على اعتبار أن له الفضل في تأسيس ما يعرف بأدب الخيال العلمي .
للكاتب الفرنسي «جول فيرن» أكثر من سبعين رواية وقصة قصيرة ، وجدت كلها تقريباً حظّها من الشهرة ع، خاصةً في بلاده وفي أوروبا وفي الدول الناطقة بالفرنسية ، لكن أكثرها شهرةً رواية «عشرون ألف فرسخ تحت البحر» ، ورواية «خمسة أسابيع في منطاد» ، ورواية «من الأرض إلى القمر» ، ورواية درسناها في المرحلة الوسطى بالإنجليزية حملت عنوان «حول العالم في ثمانين يوماً» ، وروايات وروايات ممتعة ثرية بالأشخاص وغنية بالأحداث .
كذلك خلّد التاريخ أحد أبرز فناني النهضة الإيطاليين ، وأعظمهم أثراً «ليوناردو دافنشي» ، الرسام والنحّات والعالم والمعماري ، والباحث في مجال الطب والتشريح ، والبصريات والطيران وعلم الحركة ، وقد استند العلماء الذين جاءوا بعده على كثير من أبحاثه ومشروعات مخترعاته ، ومن بينها الطائرة الهيلوكوبتر ، رغم أنه عاش في الفترة من «1452 ـ 1519م» ، وقد قام بتأليف ثلاثة كتب ، الأول عن التصوير الزيتي والذي يعرف بإسم «نظرية التصوير» ، وكتاب عن التشريح وثالث في علم الميكانيكا .
وغير هذين هناك نماذج عديدة ، فعلى مستوى العالم العربي والإسلامي كُتّاب وعلماء وباحثون كُثر ، كُلُّهم خلّدوا أنفسهم في تاريخ الإنسانية ، ولنا في السودان نصيب من العلماء الكبار الذين ربطوا مستقبلنا الثقافي والفكري بهم ، وربطوا ماضيهم بحاضرنا الحالي ومستقبل أبنائنا ، كثيرون من بينهم العلاّمة البروفيسور عبد الله الطيب ، والأستاذ الطيب صالح ، والبروفيسور عون الشريف قاسم ، وغيرهم وغيرهم ، غير الشعراء والفنانين والتشكيليين والأدباء وأصحاب القلم.
تناقشنا في مدينة «جوبا» تحت ظلال «الأكاسيا» و «المانجو»، وتحت غيم «جوبا» الساحر الممطر ، نحن زملاء المهنة رفقاء الرحلة التي قام بها وفد سوداني رفيع قاده السيد رئيس الجمهورية السابق في شهر أكتوبر من العام 2013م إلى دولة جنوب السودان ، تلبيةً لدعوة كريمة من الرئيس الفريق سلفاكير ميارديت ، وكنتُ أقول لأستاذنا الكبير الدكتور النجيب آدم قمر الدين إن عهد الكاتب الصحفي الذي يمكن أن نطلق عليه إسم « نجم شباك » قد اإنتهى ، لأن المعرفة والمعلومات والقدرة على التحليل ، ثم محاولة قراءة المستقبل من خلال عرض لغوي جيد قائم على المنطق والمفردة الحقيقية «الراقصة» ، لأن كل ذلك هو مفتاح نجاح الكاتب ، وهو الإطار الذهبي الذي يلفت إليه نظر قراء الصحيفة.
وقلت لأخي الكريم الدكتور النجيب آدم قمر الدين ، إن الكاتب « نجم الشباك » بتلك المواصفات موجود في كثير من الصحف ، وإن أبرز كُتّاب القرن الماضي في مجال العمود الصحفي كان ـ في رأيي شخصياً ـ هو الراحل الأستاذ أنيس منصور رحمة الله عليه.
بكل الوقار الذي عرف به أستاذنا النجيب ، قال لي إن شخصية «أنيس منصور» الكاتب كانت تجول في ذهنه وخاطره لحظة أن كنا نتحدّث عن الكاتب النجم.. ثم توقّف قليلاً ، وقال إن سبب سطوع نجم الراحل « أنيس منصور » هو أنه كان يبدأ يومه عند الرابعة والنصف صباحاً ، يقرأ ، ويقرأ ، ويقرأ ؛ ويستوعب ما قرأ في العلوم الإنسانية والفلسفة والآداب ، ويخلُد بعد العاشرة لقليل من النوم ليبدأ كتابة «أشهى» عمود صحفي عرفته الصحافة العربية في تاريخها القديم والحديث.
قلت للدكتور النجيب آدم قمر الدين أنني سعِدتُ وتشرفّت بمعرفة الأستاذ أنيس منصور عن قرب ، وعملت إلى جانبه عندما كان يرأس مجلة وادي النيل ، التي كانت تصدر عن الهيئة المشتركة للتكامل المصري السوداني ، وسجلت له أكثر من حلقة للإذاعة السودانية رفقة زميلي الدكتور كمال الشريف في ثمانينيات القرن الماضي .
إلتفت إلي النجيب آدم قمر الدين وقال لي بإبتسامة عريضة : ” بختك .. فالأستاذ أنيس رجل كنز ، يستحق أن يكون صاحب أشهى عمود صحفي حتى الآن . ” .

Email : sagraljidyan@gmail.com

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى