أخر الأخبار

بروفيسور إبراهيم محمد آدم يكتب : وداعاً القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية

شغلتني بعض الحادثات عن التعليق على أمر مهم في القرن الحادي والعشرين وهو خبر توقف خدمة القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية الذي سمي لاحقا (B B C Arabic (– تلك الاذاعة كانت قد بدأت بثها في العام 1938م، حين كان الراديو من المخترعات الجديدة التي يستخدمها النخبة مثل وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، وإن كانت الإخيرة يستخدمها الجميع مما جعل البريطانيين يفكرون في استخدامه للتأثير على مستعمراتهم في العالم العربي،وهم قد نافسوا في ذلك إيطاليا الفاشية التي أنشات محطة ناطقة بالعربية وكذلك المانيا التي فعلت ذات الشيء، وقد كان لتلك المحطات دورها في نقل الحرب العالمية الثانية كل على طريقتها ووجهة نظر دولتها .
غير أن الأمر المستغرب هو الحديث عن توقف بثها لأسباب مالية رغم أن كلفة تشغيلها قد تكون ضئيلة نسبياً ضمن موازنة ضخمة لهيئة الإذاعة البريطانية تفوق الخمسة مليارات دولار، لكن ربما لم تعد بريطانيا تشعر بأهمية تلك الإذاعة بعد أن أصبحت لغتها الإنجليزية هي الوسيط الأول في العالم، ولربما كان ذلك القرار تحت تأثير تقلص حضور الإذاعات على الموجات البعيدة نتيجة التوسع في المنصات الإعلامية الأخرى، رغم أن الإذاعات في الغرب عموما لا تزال متابعة من قبل المستمعين بشكل جيد في المنازل والسيارات والمنصات الرقمية.
هنا لندن كانت بالنسبة لنا في طفولتنا وشبابنا الأول الإذاعة الأكثر تأثيراً، فقد كنا نتابع برامجها منذ الساعة السادسة مساء بتوقيت قرنيتش وقد سمعنا بهذا التوقيت لأول مرة عبرها، والسادسة عندهم تعادل الثامنة عندنا، ثم موجز السابعة الذي يعادل التاسعة مساءاً، وفي العاشرة مساء لا ننام قبل حكايات ما قبل النوم والراديو يرقد على صدورنا حيث نكون قد أكملنا برنامج العالم هذا المساء من تقديم أيوب صديق المذيع السوداني الأشهر والذي لا يزال يواصل الكتابة بكل صدق وأمانة وثقافة وثاقب نظر، أو أن يقدم ذلك البرنامج ماجد سرحان الذي يختمها لنا بعبارة وهذا ماجد سرحان يحييكم من لندن .
ولعل من أكثر البرامج تأثيراً علي برنامج السياسة بين السائل والمجيب والذي عرفت فيه لأول مرة عبارة العلوم السياسية التي اخترت التخصص فيها في تلك السن المبكرة وقد حقق الله لي ما أراد ، وقد كنت أسمع حينها السؤال والذي يقولون بعده يجيب عن هذا السؤال فلان أستاذ العلوم السياسية بجامعة كذا فاسررت في نفسي أن أكون في يوم ما مثلهم ينطلق صوتي وصيتي عبر أثير الإذاعات وقد تحقق ذلك بفضل الله علي وأساله المزيد، ومن المذيعات اللائي أتذكرهن عبلة الخماش تلك المذيعة واسعة الثقافة التي عرف عنها إجادتها للغة الإنجليزية كإجادتها للغة العربية وقد كانت تقدم برنامج (Five Minutes English ( وهو من دروس تعليم الانجيزية بالراديو، وكان يعده الإعلامي الفلسطيني الكبير حسن الكرمي ، بالاضافة إلى برنامجه قول على قول الذي استمر في تقديمه 33 عاما متتالية، وقد نشرت مواد هذا البرنامج في أكثر من ثلاثة عشر مجلدا، وكانت فكرة البرنامج تقوم على الثقافة الشعرية، حيث يستعرض الكرمي أبيات الشعر وأصحابها والمناسبات التي قيلت فيها وغير ذلك، وقد حظي البرنامج بمتابعة كبيرة في أرجاء المعمورة ، وقد استمعنا فيه لكبار الأدباء والنقاد مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ورجاء النقاش والطيب صالح ومحمد ابراهيم الشوش وغيرهم.
وبالتاكيد لن ننسى ليلى طنوس التي قدمت برنامج “الدراما” الذي نقلت فيه كمخرجة مختارات من عيون الأدب الإنجليزي إلى اللغة العربية، ولقي البرنامج إقبالاً واسعاً وكان يتمتع بشعبية كبيرة طيلة سنوات بثه عرفنا حينها هدي رشيد والتي علما أنها أول مذيعة قبل ان تكون هناك مذيعة في الخدمة العالمية لهيئة الاذاعة البريطانية واتحفنا صوت مديحة رشيد المدفعي وهي تقول ،”نشرة الأخبار من هيئة الإذاعة البريطانية تقرأها عليكم مديحة رشيد المدفعي مع جرة طويلة لاسمها الأخير ” فمنذ بدايات العقد السادس من القرن الماضي، حين كانت قراءة نشرات الأخبار، وتقديم البرامج السياسية حكراً على الرجال، خاضت مديحة رشيد المدفعي هذا المضمار وحققت نجاحاً وشهرة تضاهي ما حققه زملاؤها الذكور.
علمنا لاحقا ان مديحة بدأت قراءة نشرات الأخبار في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية قبل إدخال الخدمة العالمية الأم الناطقة باللغة الإنجليزية للعنصر النسائي في قراءة الأخبار بخمسة عشر عاماً. و من الأسماء التي انضمت أيضا في تلك المرحلة هدى الرشيد، التي قد علمنا بعدها أنها كانت أول مذيعة للأخبار من المملكة العربية السعودية. هذا بالإضافة أسماء مثل سلوى الجراح وهالة صلاح الدين وسامية الأطرش ونادية صالح وعفاف جلال ونجوى الطامي وغيرهن كثيرات من صاحبات الأصوات العذبة التي طبعت تلك المرحلة من عمر بي بي سي. ومن الرجال مضافاً لما ذكرت قدمت الاذاعة نجوماً كباراً مثل الطيب صالح واسماعيل طه والسفير علي أبو سن عندما كان مذيعاً هناك، وقد أشار إلى ذلك بالتفصيل في كتابه المجذوب والذكريات.
هذا بالاضافة إلى معرفتنا بمراسلي القناة عبر العالم مثل سلامة نعمان -عمان وكمال بن يونس- تونس وكمال حامد ذلك المذيع الشامل الرقم – متعه الله بالصحة والعافية من الخرطوم وغيرهم .وعموماً كان فضل القسم العربي علينا عظيماً، واستفدنا منه في زيادة ثقافتا في العديد من المجالات التي نعد منها ولا نعددها.

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى