ظهر السبت الأول من أمس الموافق الرابع من يوليو الجاري ، إلتقى عددٌ من الصحفيين وكُتّاب الرأي ، بالقُنْصل العام لجمهورية مصر العربية الشقيقة في الخرطوم السّيِّد أحمد عدلي إمام ، تلْبيةً لدعْوةٍ كريمة من السّيِّد المستشار الإعلامي بالقُنْصُليّة المصرية الأستاذ عبدالنبي صادق ، وقد كانت الدعوة قبل اللقاء بيومين ، وقد تيقّنت أن للأمر صِلةٌ بمباحثات سدّ النهضة الأثيوبي ، رغم أن الدعوة لم تتضمّن موضوع اللقاء ، لكن المفاجأة كانت في أنّ الأجندة كانت مفْتُوحَةً غير مقتصرة على موضوع واحد ، وشمل اللقاء الذي تم في إحدى قاعات فندق السلام روتانا بالخرطوم ، مناقشة صريحة حول العلاقات السودانية المصرية ، وتراجعها عمّا كانت عليه في أيام الرئيسين الراحلين المشير جعفر محمد نميري ، ومحمد أنور السادات ، رحمهما الله ، فقد بلغت العلاقة بين البلدين الشقيقين ذروتها تعاوناً وتكاملاً ومشاركةً في كل المجالات ، حتى أصبح المواطن يسافر وينتقّل بين البلدين ببطاقة وادي النيل دون جواز سفر ، وأصبحت هناك مؤسسات للتكامل بين شطري وادي النيل ، بل أصبح هناك برلمان مشترك حمل إسم برلمان وادي النيل ، إنعقدت أولى جلساته في أكتوبر من العام 1982م بمدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء ، وكُنْتُ مِمّن تشرّف بحضور جلسات برلمان وادي النيل تلك التي إفتتحها الرئيسان جعفر محمد نميري ، ومحمد حسني مبارك ، رحمهما الله ، وقد كنت أحد الصحفيين الذين قاموا بالتغطية لتلك الفعالية العظيمة بعد جلاء القوات الإسرائيلية من كامل أراضي شبه جزيرة سيناء في أبريل من نفس العام ، وكان في ذلك تكريم لحكومة وشعب السودان بحسبان أن الوفد السوداني الضخم برئاسة الرئيس نميري كان هو أول وفد يصِل إلى سيناء إبّان تقلّد اللواء منير شاش لمقاليد الأمر فيها إذ كان مُحافِظاً لمحافظة شمال سيناء ، وقد كان يحمل سِيرةً عطرة توّجها بأنه كان من أبطال حرب أكتوبر عام 1973 م ، رحمه الله .
العلاقات السودانية المصرية توقّفتْ بل تراجعَتْ عمّا كانت عليه من قبل ، ولم تقف ( محلّك سِرْ ) حتّى متأثّرة بالمواقف السياسية في عاصمتي وادي النيل ، حتى بلغ الأمر أن تُصْدِر الخرطوم قراراً في تسعينيات القرن الماضي بإلغاء وجود فرع جامعة القاهرة بالخرطوم ، وتقليص مدارس البعثة التعليمية المصرية ، وقبل ذلك إلغاء إتفاقية الدفاع المشترك ، رغم أن البلدين من المنضمين إلى إتفاقية الدفاع المشترك العربية .
وزاد الأمر سوءاً بعد المحاولة الفاشلة لإغتيال الرئيس محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ، عام 1995 م وإتهام السودان بأنه وراء تلك المحاولة ، ليحدث التصعيد في كل الإتجاهات ، وتتضرّر علاقات السودان الخارجية وتبدأ بعد ذلك أخطر مراحل إنهاك النظام في الخرطوم من خلال المقاطعة الدولية شبه الشاملة ، وتتقدّم القوات المصريّة المسلحة لإحتلال منطقة حلايب ،في ذات العام ، وقد إلتقيت قبل سنواتٍ قليلة بقائد القوات السودانية المسلحة التي حُوصِرَتْ هناك ، و قصّ عليّ تفاصيل ما جرى ، وكْنّا نعلم أن منطقتي حلايب وشلاتين ظلتا تُعانِيان من إهمال الخرطوم سنين عدداً ، للدرجة التي جعلت أحد مواطني حلايب يقول لزميلنا وصديقنا الدكتور عبدالماجد هارون في إحدى اللقاءات التلفزيونية التي لم تُبَثْ ، عندما سأله إن كان سودانياً أم مصرياً .. فتلفّتْ الرجل البسيط وقال هامِساً : ( البطْنِ مصري والقلْبِ سوداني ) ويا لها من إجابة تؤكّد على إهمال الخرطوم لتلك المنطقة .
هذه مُقدّمة مهمة ومطلوبة بالنسبة لكاتب هذا المقال قبيل أن ندخل في تفاصيل ما جرى داخل إحدى قاعات الإجتماعات بفندق السلام روتانا ، حول العلاقات السودانية المصرية ، والتي شهدها من الصحفيين والزملاء الأعزاء الأساتذة ضياء الدين بلال ، وعاصم البلال الطيب ، والدكتور مزمل أبوالقاسم وعثمان ميرغني ، ومجدي عبدالعزيز ، ويوسف سيد أحمد ، وأشرف عبدالعزيز ، والباقر عبدالقيوم ، ولينا يعقوب . لقد جاء اللقاء في وقته تماماً ، خاصة وإن بلدينا تواجهان مخاطر مشتركة قديمة ليس من بينها سدّ النهضة الأثيوبي إذ لم يظهر في أفق العلاقات إلا منذ نحو عقْدٍ من الزمان ، مصر هناك من يخطط لأن يتم تقسيمها إلى ثلاث دول على الأقل ، دولة للمسلمين وأخرى للأقباط المسيحيين وثالثة للنوبة ، مثلما هناك من يخطط لتقسم السودان إلى خمس دول ، وهذه مُصَائب ومخاطر ومهدّدات تستوجب أن نضع أيدينا على أيدي بعضنا البعض ، وإلّا فإن طاقاتنا ستتبدّد ، ومواردنا ستتشتت ويًعاني شعبُنا من الأمرّين ، خاصة وإن المخاطر تزداد يوماً بعد يوم .
ينشر بالتزامن مع صحيفة الأخبار
