فضل الله رابح يكتب : مراتع صباي ـ كردفان تختصر كل مسافات التعريف (1)

الراصد
ذات نهار يوم جمعة حزين من المعاناة ووجع الفقد غادرنا الخرطوم صوب كردفان رفقة نصر الدين الختيم وباشمهندس. عبدالقادر لأداء واجب العزاء في وفاة الخال (أبوأم جد) ـ خرجنا بعد رحلة بحث طويلة عن وقود الرحلة ونحن نتجاذب أطراف الحديث في أمور شتي ( أزمات الحكم بالبلاد ومرحلة ما بعد الثورة والخروج من جحيم المعاناة إلي حياة وطنية أخري أكثر إستقرارا وموضوعات أخري كثيرة ) – قبل عبور بوابة المويلح غرب أمدرمان سألنا عن سلامة طريق أمدرمان ـ بارا وهل من الممكن نعبر من خلاله ـ? لأنه كان قد قطع عند منطقة رهيد النوبة ـ قيل لنا ممكن تعبروا توكلنا علي الله ونحن علي يقين بأن أقدار الله جميلة ومليئة بالرحمة واللطف ـ وأن المشاكل ثابت من ثوابت الحياة ولكن النجاح والفلاح عندما تسعي نحو الحلول وتنهض دون ان تخلق مشكلات جديدة ـ وفي الاثر لا تتوقف المشاكل مطلقا لكن علينا نحن الا نبدلها بغيرها أو نتركها تتفاقم والكلمة المفتاحية هي حلها ـ وصلنا وادي الجداد وهي المنطقة التي جرفت فيها السيول الطريق الرابط بين الخرطوم وولايات الغرب كانت لحظة أكثر إيلاما عندما نجد أنفسنا أمام محنة طريق طولها (6) كيلو متر فقط من جملة طول الطريق البالغ (357) كيلو متر قدمت فيها حكومة الإنقاذ جرعات أمل معقولة وأكتمل الطريق وفرح الناس لكنهم لم يتمكنوا من تفادي محنة الـ (6) كيلو متر باتت عقبة تتجدد كل عام وكان المأمول أن تكرس حكومة الكفاءات برئاسة دكتور ـ عبدالله حمدوك جهودها في مواجهة هذه المحنة وعمل الكبري بأي طريقة ولكن عوضا عن كل ذلك إنتهجت الحكومة إسلوب التخدير وكثرة الحديث والبحث عن منافذ الفساد حول الطريق إن وجدت لتجريم مولانا ـ أحمد هارون وهي آليات الحكم الجديد المحببة الذي لم يفشل لكنه لم ينجح أحد منهم حتي الآن ..!! ومن المحتمل أن يكون نهجهم صحيحا أو من المحتمل كثيرا أن يكون خاطئا .. لا شئ أكثر من هذا ولا شئ أقل من هذا ..!!
بعد ثلاثة ساعات من المعاناة عبرنا وادي الجداد حيث لا يوجد مسؤول حكومي واقف علي حال ومعاناة مئات السيارات والشاحنات محملة بالبضائع والأسر سوي رجال المرور السريع يعملون بهمة عالية علي تسيير الحركة وعبور المركبات عبر ممر واحد يتم إيقاف إتجاه حتي يعبر العابرين من الإتجاه الآخر وكذلك الحال حتي يتخطي العابرين محنة ذلك الوادي السكير الذي سرق فرحة الجميع بهذا الإنجاز (طريق الصادرات القومي) ـ شعور بالحزن لكل عابر ان تكون مسافة (6) كيلو متر محنة امام حكومة الثورة المصنوعة ـ بعد عبورالوادي توقفنا عن محطة قهوة جوار منطقة جريجخ لصلاة المغرب وتناول وجبة العشاء ـ كلفني صاحب المكان وهو رجل وقور ملتحي بإمامة الصلاة بعد تقديم إعتذار لطيف بأنه يعاني من آلام في الرجلين ـ عقب الباقيات الصالحات كانت الإنشغالات بالهواتف وما تحمله من معلومات حتي أبناء صاحب المطعم أحدهم كان مشغولا بسماع الإذاعات علي هاتفه والآخر يعافر في مولد الكهرباء ووالدهما يلكز كل منهما للتعجيل وتقديم الخدمات لنا ـ رفض المولد ان يشتغل وفشلت كل المحاولات بتخطي المشكلة وحاول الرجل الملتحي إلهائنا وملأ الفراغ بالأسئلة لكنه كان لماحا وذكيا علي طريقة أهل كردفان يطلق العبارات المفتاحية حتي يعرف هوية الذين يتحدث إليهم كي يحسن الحديث والتعبير دون أن يجرح أحد ـ قال أنه عمل لاكثر من عشرين عاما بالخليج وهو يدرك طريقة وسلوك أمراء وملوك الخليج مشيرا بأنه علي يقيم بأنهم لن يعطونا خيرا وهو يلمح إلي تدخلاتهم في معادلة حياتنا السياسية الراهنة ـ ظل يرسل الرجل العبارات السياسية بحذر حتي يفهم من خلال الانفعالات هوية من يتحدث معهم ـ هل هم من انصار النظام الجديد في السودان ـ ام مواطنين عاديين او هم من أنصار النظام السابق ـ? معلوم ان معظم الناس لا يستطعيون كبت مشاعرهم وذلك لاسباب شخصية كثيرة بعضها ثقافي وبعضها اجتماعي وآخر سياسي ـ الرجل بعد تأكده فتح الأفق لحديثه وإظهار سخطه علي الحكومة والمقاربات بينها والحكومات الوطنية التي عاصرها ثم كشف كثير من المعاناة التي يعيشها اهل المنطقة وهم يكافحون من أجل التغيير والإصلاح ـ معاناة عطلت كل المشاريع العامة والخاصة بل ضيعت احلام الكثيرين لكن هناك قوة إرادة ومثابرة وجلد من الشعب للمضي علي طريق النهضة والشعار المدهش ـ( موية ـ طريق ـ مستشفي والنهضة خيار الشعب) – أنني شخصيا كلما أزور مرتع صباي كردفان تتملكني حقائق جديدة مرسلة حول الواقع وتوترات الحياة المعاشة التي لا تنتهي مع متعة مستمرة بإنسان كردفان الكادح الذي لم تتمكن الافكار الزائفة خداعه فهو لديه همة وثقة بنفسه ولم يتمكن سارقي الثورات مخادعته وكسر ثباته ـ معظم برامج الرحلة الكردفانية كانت اجتماعية ـ وهي عبارة عن عزاءات ومواصلة ارحام ومصالحات إجتماعية بيد انها لم تخلو من مسامرات سياسية وصراخ من جحيم الاسواق وإنفلاتاتها التي لا تفسح مجالا للفرح ـ كانت مساءات كردفان جميلة ونجيماتها لامعة وإنسانها يبتسم وهو في قمة حزنه وكل ما ازره اجده لم يتغير إلا من شعيرات بيضاء شقت سواد شعر البعض وعلي جبينه عرق المعاناة من فعل الحكومات التي سقته الذل مرارا لكنه ظل صابرا شاكرا لأنعم الله ـ إن إنسان كردفان كم هو عظيم وذو أنف شامخ وصدر حنون يعيش في بلد بها خيال خصب ..
نواصل عرض رحلة كردفان في كتابات قادمة إنشاء الله ـ وجوه مجتمعية حقيقة وشهي الكلام والطعام في القري والفلوات بين النهود وودبندا وصقع الجمل إلي غبيش ـ ليالي كردفان وسكونها المخيف وهو يسرع كلما سطعت النجوم ـ وسنكشف عن رحلة (مزرعة أولاد فاعوم) بضاحية (ود الحليو ) جنوبي مدينة النهود ـ شخوص ونجوم الرحلة الممتلئين حبا وطرافة وظرافة ـ أما صديقي الباشمهندس ـ نصرالدين حميدتي ـ نائب رئيس الإتحاد العام لكرة القدم السوداني فصل كامل في الرحلة الجميلة ـ ما أن نعبر كردفان إلا ونجده حاضرا وحفيا بنا ـ نصر الدين من أنبل أصدقائي واوفاهم للمحبة ـ ثم ندلف إلي أمروابة وصديقي فتح الرحمن جرجور وشهي الأقاشي وزيوت أمروابة وفرح جرجور المستمر بأصدقائه الذي لا تخبئه السنين ولا طول المسافات ـ هي كردفان كبري العبور الي وطن السماحات التي تختصر كل مسافات التعريف بإنسانها النبيل.

Exit mobile version