بُعْدٌ .. و ..مسَافة
حقيقةً تأثّرتُ كثيراً بما خطه يراع الأستاذ محمد حامد جمعة ، الصحفي والكاتب المُجِيد ، صاحب الأخْيِلة المُتجدِّدة والمفردات الرشيقة العابرة من السّطح المكتوب ، مباشرةً إلى العقول والقلوب ، لذلك رأيتُ أن أُشْرِكَ غيري في جمال ما كتب عن الجيش السّوداني الذي أساءت إليه إحدى بناتنا الصغيرات اليافعات ، منساقةً وراء هوجة حماسيّة غيّبتْ عنها الحقيقة ، وقد كفاني الأخ الكريم الأستاذ محمد حامد جمعة ، بما كتب ، أن أرد أو أعقب على ما قامت به إبنتنا الثائرة ، ولعلّ في رد الأخ محمد حامد ما يكشف بعض الحقائق للإبنة الثائرة ، عفا الله عنها وغفر .
أما ما كتبه الأستاذ محمد حامد فقد كان كما يلي :
الجيش وتور الدبة
كتب : محمد حامد جمعة
لم أرغب في التّعْقيب على تلك الصغيرة ، التي شتمت الجيش ورجاله ، ولا داع لذكر ما قالت ، هو معلوم موثق ، وهي نفسها (صغيرة وجاهلة) ، أختيرت لغرض وقدمت لأداء مقطع ، لقنت هتافه ، وسقيت صديده ، وظني ان الجيش نفسه سيتجاوز عنها ويغفر ، وان كان من لوم وعتاب فهو لأولئك الفحول من الشباب والرجال الذين تحلّقوا حولها ، قائمين بأداء دور (الدلاليك) لإسناد الصّوت الوسيم ، بكتل من رزيم الحناجر ! .. كان يفترض بهم زجرها وردها ، أقله إن لم يكن تحرياً للفضل ومعرفة أقدار الرجال فأقله من باب رد التحية للجيش ، الذي إن ثنى عطفه وقام يريد الحياد ، تذكّر القحّاتة والثُّوار إنه شريك المرحلة ، ورفيق الثورة والحامي المُسَاند ، إن أظل الثورة عَاشِمٌ ، تذكّروه وحَسُنَ إيمانهم به ، فإن أصابتهم حسنة تضخّموا كأن لم يعرفوه . هذا الجيش الذي يُنْعَت رجاله بأبناء الحرام هو الذي ذهب إليه الدقير ، وصدّيق يوسف وغيرهم وسالت مدامعهم تحت جدران قيادته يمنحونه التفويض !
هذا الجيش الذي يُنْعَت رجاله بأبناء الحرام هو الذي غرس الرجال كقامات النقل في البرايا وتحت سفوح الجبال ، بعضهم قبره معلوم ، وآخر شلْوٌ ممزّق ، ومئات طارت بأرواحهم قذيفة وذهبت بجثثهم السيول ، قتلتهم فئة باغية يومذاك ، فيها من هو الآن بين القصر والنهر ، رغم أنه أعان وقاتل وتآمر وحرض ، ضد ذات الذين الآن يطلب سيفهم وخوذتهم ، هذا الجيش الذي يُنْعَت رجاله بأبناء الحرام هو نفسه الذي خرج من صفِّه (حامد) والشهيد كرومة ! حموا الواصلين لساحات القيادة العامة ، وقاتلوا دونهم ، فماذا فعل بالمقابل قادة الأحزاب والتنظيمات السياسية الإجابة (ولا حاجة) ! .
قدّم الجيش شهداء وجرحى ، ضُبّاط وجنود فمَنْ قدّم الحزب الشيوعي مثلاً في تلك الأيام وحتى الان ! أشعار وتصفيق وكثير صفاقة وقليل إجادة ! ماذا قدم الإجابة (ولا حاجة) ! لم ينجز سوى الإشتراطات وتوزيع الأقنعة ، وفرض المطالب التي كلها لسبب مجهول تتأرجح بين الجّيش والشّرطة والأمن ! هَوَسُ صَاحبُ السّوابِقِ وتوجّس اللّص من المرور بساحة قانون ! عادة تجده إن لم يطلق ساقيه للريح يتلفت !
رجال القوات المسلحة ، سيظلّون أكرم أهل هذه الارض ، وأصدقهم عطاءً ، وأفضلهم سِجلّاً في الأعمال الشريفة ، دار وميدان دخله الملايين بطول تاريخ هذه البلاد ، لم نرَ منهم حتى الغاضب في موقف خزي ، او ساعة عار ، محترمون حتى في تلقّيهم الإهانات تحت شراكة هم الأوفر بذلاً عليها ولها ، يُغْمَزون ، وتًطْعن ذِمّتهم ويُسَاءُ إلى وطنيّتهم وهم سكوت ، هذا مسلك أولاد الحلال ، واما أبناء الحرام فنحن نعرف (تورهم ودبتهم) وهم يعرفون انفسهم ، لست أتحدث بإسم الجيش ولا ينبغي لي ، لكن إن كان من نُصْحٍ فهو قولي ، الجيش الذي يبْصُق عليه كل عاطلٍ ومتبطّلٍ ، سيتجرأ عليه وعلى حياضه أحقر الأعداء وأدناهم وضاعة ، فأزجروا من يحضّون هؤلاء الصغار والجهلة ويتخفّون خلفهم ، أولئك هم العدو فأحذروهم .
