تأملات
حذرت في مقالات سابقة من الواهمين والشاطحين، وأعني بالواهمين بعض بقايا حزب المؤتمر الوطني الذين لم يستوعبوا بعد سقوط نظامهم، ولا يزالون يحلمون بالعودة إلى الحكم مرة أخري، والشاطحون أعني بهم بعض مكونات قوي إعلان الحرية والتغيير الذين أسكرهم الحكم الذي أتاهم في لحظة توهان عامة، فأنستهم السكرة كل شئ، وتوهموا أنهم يمكن بما ال إليهم من سلطان أن يقصوا كل أهل السودان الآخرين، ويفعلوا ما يشاءون.
اليوم ونحن علي أعتاب الذكري الأولي ليوم ثورة ديسمبر المجيدة الثلاثين من يونيو، ينشط الواهمون والشاطحون في اتجاهين مختلفين كل منهم يسعي لاستثمار الحدث، واستغلال المشاعر الشعبية لتحقيق ما يطمحون إليه من أحلام واهمة وشاطحة.
مسيرة الثلاثين من يونيو الموعودة ليس لبقايا الموتمر الوطني، ولا أي من مكونات قوي إعلان الحرية والتغيير دور في الدعوة إليها والحشد لها، ومع ذلك هم الآن أكثر من يسعي لتجيير المسيرة لصالحه.
صحيح أنه لا مجال بعد ذلك للتأثير علي خروج الناس إلى المسيرة، إلا بتحسبات الأجهزة الأمنية التي أحسب أنها قد اكتملت ترتيباتها حتى لا يقع ما لا تحمد عقباه، ولذلك نتوقع أن يمر اليوم بسلام بإذن الله تعالي، ولكن ليس هذا المهم، الأهم من ذلك ما بعده، والذي يجب أن يسعي الجميع لتصحيح مسار الثورة، وتفويت الفرصة علي الواهمين والشاطحين علي حد سواء، وهنا يكون الدور المحوري و الأساسي للعقلاء من التيار الإسلامي ومكونات قوي الحرية والتغيير ذات الثقل والتاريخ والمواقف المشهودة، فعلي العقلاء هنا وهناك أن يردوا الواهمين والشاطحين إلي جادة الطريق المستقيم.
فما ينادي به بعض الواهمين من منسوبي المؤتمر الوطني، ومسعاهم للعودة إلى الحكم مرة أخري، لا توجد أدني فرصة لتحقيقه، والجماهير التي تخرج بإذن الله في ذكري الثلاثين من يونيو، هي ذاتها الجماهير التي أوقدت شرارة ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت حكومة المؤتمر الوطني وأشعلت نارها، فلا يمكن أن يكون خروج ذات الجماهير في ذكري يوم الثورة الأغر لإعادة النظام الذي أسقطوه، صحيح أن الجماهير الحقيقية التي تخرج في ذكري الثلاثين من يونيو تنادي بتصحيح مسار الثورة، ولكن تصحيح المسار لن يكون بأي حال بالعودة إلي ما مضي دون رجعة، فعلي المخلصين الجادين من أهل الحركة الإسلامية أن يعوا الدرس تماما، وعليهم أن يتعظوا من تجربة الإنقاذ التي مكنت مجموعة محدودة من السطو علي اسم الحركة الإسلامية، وحكمت به، ولم تحكم منهج الحركة، وأقصت كل الصادقين المخلصين من عضويتها، واستعدت كثيرين منهم، ويصدق هذا أن أشرس الذين عارضوا حكم الإنقاذ كانوا من الإسلاميين، سواء الذين قاتلوها بالسيف مثل الشهداء داود بولاد، وخليل إبراهيم وصحبه، أو الذين قاتلوها بالكلمة والرأي السديد مثل المرحوم الطيب زين العابدين، والدكتور التجاني عبد القادر، وآخرين كثر يعرفهم الجميع، فعلي الذين بقوا من الإسلاميين الصادقين أن يفوتوا الفرصة علي الواهمين، ويسعوا إلي تجميع صفوفهم، والتحالف مع القوي الوطنية التى تسعي لإصلاح مسار الحكم في السودان.
قوي إعلان الحرية والتغيير تضم أكبر مكون سياسي وطني، ولا أحسب أنه قد تشكل في تاريخ السودان الماضي تجمع بهذا الحجم والتنوع، وغير ما ضم كيان قوي الإعلان من أحزاب وقوي متنوعة وفاعلة، فإن كثيرين من أهل السودان من السياسيين ومن غير السياسيين ارتضوا أن يكون الكيان ممثلا لهم ومعبرا عنهم، ولكن للأسف الشديد أن بعض مكونات الكيان الصغيرة المعزولة تمكنت بحسن تنظيمها وترتيبها، أن تنحرف بمسار الكيان، فشتت شمله أولا، وأغضبت سياساتها كثير من قوي الإعلان الأساسية، فمنها من جمد نشاطه، ومنها من خرج، ومن تبقي ظل غاضبا، وكلهم يدعون إلي إعادة الهيكلة وترتيب الأولويات.
ومن هنا ندعو العقلاء من قيادات ورموز قوي إعلان الحرية والتغيير، أن يسعوا إلي استثمار هذه اللحظة التاريخية من عمر السودان، ويعيدوا بناء الكيان من جديد، ويفتحوا باب عضويته لكل القوي الوطنية السودانية، وأن يتزامن ذلك مع سحب كامل لكل الذين دفعوا بهم لأجهزة الحكم علي كافة مستوياتها، ذلك أن الاختيارات الأولي تمت كلها علي أساس محاصصات بغيضة لا تستقيم مع متطلبات المرحلة، ولم تتم مراعاة الكفاءة والخبرة والقبول في كثير من المرشحين.
وما لم يقد العقلاء من الإسلاميين ومن مكونات قوي إعلان الحرية والتغيير الفاعلة المبادرة، وما لم يتعاونوا في ذلك مع الوطنيين من أهل السودان الآخرين، وما لم يضعوا المؤسسة العسكرية في مكانها الطبيعي شريكا أصيلا في الثورة، وصمام أمام الوطن، وحامي حماه، فما لم يفعلوا ذلك فإن الواهمين والشاطحين سيقودون البلاد إلى خراب، والحافظ الله.
