دكتور صديق مساعد يكتب : الدين والسياسية تقاطعات وتجاذبات(1)

الخرطوم الحاكم نيوز
لقد ظلت قضية الدين وعلاقتها بالسياسة من أكثر القضايا تشابكاً وتعقيداً في الفكر السياسي والإنساني فقد ظل هذا الإشكال يمثل حجر الزاوية في تشكيل السلطة في أوربا حقبة الوثنية وبعد دخول المسيحية لاسيما حقبة عصورها الوسطي وظل هذا التلازم لصيقاً بتلك التجربة اي تلازم وحضور الدين وعلاقته بقضايا السياسة سبباً لمواجهات دامية ظلت علي الساحة الاروبية أكثر من 18 قرناً من الزمان بل إلي ما بعد حقبة الثورة الصناعية وظهور الدولة القومية وكذلك ظل هذا التلازم لصيقاً بمسيرة الفكر الاسلامي إذ بدا صراع السلطة والدين والرسول صلي الله عليه وسلم مسجي قبل ان يواري جسده الطاهر الثرى ، ورغم ان البون شاسع ما بين الممارسة التي تمت وعلاقة كل دين بالواقع اي المسيحية والاسلام ودور كل عقيدة بالواقع والمشكلات التي خاطبها والنظام السياسي الذي وجده شاخصاً أمامه .فلقد جاءت الرسالة المحمدية ولم تجد سلطة مركزية ذات مؤسسات حاكمة او دولية ذات نظم بحكم ظروف وأحوال ذاك الزمان تتبني الدين الجديد او تقف ضده لكن كما هو معلوم جاء الاسلام فوجد جزراً متناثرة من مكونات وفسيفساء من القبائل المتناحرة وفضاء واسع لم يعرف مؤسسات الدولة مثل دولة فارس التي تجاور بلاد العرب او الروم بالشام فالإسلام جاء ولم يجد امامه شكل دولة مثل الشكل الذي عرفته العقيدة المسيحية حينما دخلت اوربا وجدت مؤسسات دول بل إمبراطوريات ضخمة حاكمة لها جيوشها وشارتها وبيارقها واعلامها واساطيلها. فالمسيحية منذ ان تفتحت عيونها في ارض الشام وجدت سلطة الرومان قائمة معها في ذات عهد الميلاد عكس ما حدث للاسلام كرسالة ذات مشروع كبير حوت بين جوانحها رسالة عيسي عليه السلام التي تدعو أو تنادي بالبشارة والخلاص ، وكذالك رسالة موسي بن عمران عليه السلام التي لم تكن تركن إلي علاقة البشر فحسب ،بل كانت تدعو إلي القتال والاستشهاد والشهادة في سبيل الدعوة فاصبح الإسلام هو الوعاء حول الاجتماع السياسي الي ارتباط اكثر تماساً بالدولة عكس ما حدث في اوربا ،إذ تحولت معابدها الوثنية بعد مواجهات الكنائس أو كنيسة وتحول الكنيسة الي دولة استثمرت قضية الدين في جهاز السلطة ولم تكن فكرة انشاء دولة ومواصفاتها قضية الإسلام لكن كانت الدولة التي نشأت براعمها في يثرب ثم انداحت شرقاً وغربا من منتجات الدعوة المحمدية رغم انه لم يقدم.. اي الإسلام.. مشروعاً سياسياً ذا أطر ومعالم وأسس وركائز تدور حول شكل معين كذلك لم يقدم الاسلام رأيه القاطع والنهائي في هذا الشأن لانه فيما يبدو مرتبط بالعقل والحنكة والحيلة والمكيده والتعاطي مع المتحرك ومصالح الناس وعمل دولاب الدولة اليومي ولقد عبر عن هذا الحوار العميق الذي جاء نصه في كتب الحديث وهو سؤال نبي الرسالة محمد صلي الله عليه وسلم حينما ابتعث معاذ بن جبل الي اليمن، ومعاذ كما قيل هو إمام العلماء يوم القيامة فلنرجع البصر كرتين في هذا الحوار العميق الاغوأر إذ قال النبي صلي الله عليه وسلم.. يامعاذ بماذا تحكم قال بكتاب الله فقال النبي صلي الله عليه وسلم إن لم تجد فقال فبسنة نبيه قال فان لم تجد قال اجتهد رأيي ولا الو فربت النبي صلي الله عليه وسلم علي صدر معاذ قائلاً :( الحمدلله الذي وفق رسول رسول الله فيما يحب رسول الله أي ان هنالك قضايا قد تعترض مسيرة العقيدة لاتجد لها ضوءا في الكتاب و السنة كما جاء في الحوار الذي داربين النبي صلي الله عليه وسلم والصحابي معاذ والدين ما زال غضا ووحي السماء لم ينقطع بعد.. وهذا الحديث يؤكد للكثير من متفقهي عهدنا هذا بان الرأي والاجتهاد هو أس العلاقة مع السلطة فالنبي صلي الله علية وسلم قال لمعاذ بكتاب الله لم يقل له وأن لم تجد ،لم يقل لا بديل لشرع الله او ان الكتاب به كل شيء بل كان رد النبي صلي الله عليه وسلم إن لم تجد اي ان هناك كثيراً من مشكلات وقضايا بحكم مصالح العباد لم تتعاطاها وتتعامل معاها السنن النبوية تحتاج إلي اجتهاد باعتبارها إفرازات مجتمعات وضرورات حياة تحتاج الي تفكير وإجتهاد وعقل مواكب وفق معطيات الزمان وظروف المكان وهذا هو سر عظمة الاسلام إذ حفز أعمال العقل والراي وفق مصالح الامة . فالنبي صلي الله علية وسلم كان قائداً روحيا وسياسيا وعسكريا لهذه الدعوة حمد لمبعوثه الي اليمن استعداده للاجتهاد واعمال العقل في القضايا التي لا يجد لها إجابة مفصلة في الكتاب و السنة في التعاطي مع قضايا الناس و مشكلات السلطة و إدارتها رغم ان عهد النبي صلي الله عليه وسلم كان عهدا استثنائياً أو عصر فلتة كما كان يقول بن خلدون..
انه كان مرحلة نبوءة ووحي يتنزل من السماء إذ كان جبريل علية السلام امين الوحى في حركة دائبة من السماء و الارض يأتي بأخبار السماء و رسالة رب العزة إلي النبي صلي الله عليه وسلم ، وتلك التجربة غير قابلة للتكرار. لذا نجد من الصحابة من اطلق للعقل والاجتهاد العنان مثل الفاروق عمر بن الخطاب الذي سجل جملة من اجتهادات حية أكدت علي عبقرية الدعوة وشكلت تلك الاجتهادات العظيمة مرجعية لكل مجتهد ،وأكدت علي عبقرية ذاك الصحابي الجليل لاستيعابه الشامل لروح العقيدة ومصالح الامة دون شطط كما قال بذلك الاستاذ عباس العقاد . فاجتهادات الفاروق الذكية اصبحت مرجعية اساسية للفكر الاسلامي في كل العصور سيما مجتمعات السنة ، بل اصبحت منصة انطلاق ينطلق منها كثير من اهل الراي والاجتهاد فالفاروق اجتهد مع وجود مقدمة من الكتاب من اجل مصلحة الامة رغم ان الدولة في بداية عهده حكمت بالفكر والعرف السائد وقتئذ وثقافة ذلك الزمن وعندما توسعت المدينة فلقد حكمت علية الفتوحات الواسعة والشعوب والملل والنحل التي دخلت تحت عباءة الاسلام ان تجلت فيها وبحكم الضرورة الامبراطورية بحكم الواقع ونواميس ذلك الزمان، فلقد هضمت الدولة الاسلامية عبر توسعات الفتوحات التي استوعبت في احشائها إمبراطوريات كبري في اقل من ثمانية عقود من عمر الدولة الاسلامية ،رغم أن انموذج دولة المدينة الذي جاء بأبي بكر الخليفة الاول كان يمكن له ان يتطور إلي أنموذج أرقي بلغة اليوم ، فيظل دولة قومية كما قال بذلك استاذنا الكبير د. برهان غليون ،لكن ظروف الامبراطورية الواسعة الشاسعة مترامية الاطراف التي ظهرت جلياً عبر توترات في عهد الخليفة عثمان خاصة في التحول الكبير و الصراع علي السلطة الذي دفع عثمان ثمنه إذ فقد فيه روحه ، إذ تناولته السيوف الغاضبة وفق تصور ثوار تلك الحقبة ،فكان اكبر ضحاياه ،وكانت تلك التوترات والاحداث بمثابة حلقة الانتقال من عصر الصحابة والخلافة الراشدة و دولة المدينة و روح الوحي و الرسالة إلي حقبة السياسة والدولة بشكلها الواسع بعد ان تنامت وتمددت ظلال السلطة

اضغط هنا للإنضمام لقروبات الواتساب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق