تأملات – جمال عنقرة – مجلس الشركاء .. هل يعيد إنتاج الأزمة؟

الخرطوم الحاكم نيوز
كان صديقنا وزميلنا وأستاذنا الصحفي محجوب خيري رجلا لطيفا، وحاضر البديهة مثل أغلب الحلفاويين، وكان نهازا للفرص، وأذكر مرة أتته فرصة طائرة فالتقطها علي الفور، فقال له أستاذنا وزميلنا وابن عمنا حسن الرضي (إنت يا محجوب ما بتفوت فرصة أبدا؟) فقال له محجوب يرحمهما الله (لو فوتها تبقي ما فرصة) ولكن يبدو أن السياسيين من السودانيين لم يسمعوا بمقولة محجوب خيري هذه، ولذلك يصف كثيرون السودان بأنه بلد الفرص الضائعة.
ثورة ديسمبر المجيدة التي لا نزال نعيش في رحابها كانت من أعظم الفرص التي أتيحت للسودان وأهله، ولا أحسب أني في حاجة لايراد أمثلة عن حسنات ومزايا ثورة ديسمبر، ولكن نشير فقط إلى أن عشم الناس فيها أن تكون خاتمة ونهاية لدورة الحكم الخبيثة في السودان، (حكم ديمقراطي، انقلاب عسكري، ثورة شعبية، مرحلة انتقالية، حكم ديمقراطي، انقلاب عسكري، ثورة شعبية، وهكذا) فكان الظن أن تقطع ثورة ديسمبر دابر هذه الدورة الخبيثة، فتكون ديسمبر آخر ثورة شعبية، وذلك يعني ألا يأتي انقلاب بعد ذلك ولا ثورة شعبية، ولا يحزنون، ولكن، وللأسف الشديد تبخر هذا الحلم قبل أن يكتمل استيقاظ الناس، وكان لبعض مكونات الحاضنة السياسية، قوي إعلان الحرية والتغيير (قحت) نصيب الأسد في ذلك، بقصر النظر، وغياب الرؤية القومية الوطنية الشاملة، فشتتوا شمل حاضنتهم أولا، ثم دخلوا في صراعات ونزاعات غير موضوعية مع شركائهم العسكريين، إلى أن وصل بهم المسار إلى طريق شبه مسدود.
فلما تم التوقيع علي اتفاق سلام جوبا بين الحكومة، وبين الحركات المسلحة، استبشر الناس خيرا، واستحسنوا قول أحد قادة هذه الحركات الذي وصف السلام بأنه تصفير لعداد ثورة ديسمبر، وكنت واحدا من الذين استبشروا بذلك، وكنا قد فهمنا مقولة (تصفير عداد الثورة) أن تعود إلى سيرتها الأولي، وكان أول ما اتفق عليه الذين ارتضاهم الشعب حاضنين للثورة البعد عن أي محاصصات حزبية في كافة مستويات الحكم، وأن تكون الكفاءة هي المعيار الوحيد للترشيح والقبول في كل المناصب السيادية والتنفيذية القومية والإقليمية والمحلية، حتى أن الوصف الذي راج للحكومة الأولي التي كان ينتظرها الجميع أنها ستكون حكومة (كفاءات وطنية) إلا أن الذين كان بيدهم الأمر لم يلتزموا بما اتفقوا عليه، فلم يقدموا لا كفاءات، ولا وطنيين، حتى أن الناس صاروا يسخرون من الحكومة بتسميتها (حكومة كفوات) بدل حكومة كفاءات، وهي بالفعل أتت بأضعف وزراء وولاة مروا علي تاريخ السودان، باستثناء قلة قليلة استطاعوا أن يضيئوا في هذا الظلام الدامس، أبرزهم السيد وزير الري، فلما قال أحد قادة الحركات أن السلام يصفر عداد، كان الظن عندنا أن تتغير النظرة والمعايير التي أضاعت الطريق علي الثورة، وشتت شمل قواها، وأتت بحكام لا حول لهم ولا قوة، وكنت شخصيا قد كتبت عن ذلك، وقلت لا مانع، بل يستحسن أن يتقدم بعض قادة الحركات لشغل المقاعد التي تخصص لهم في المجلس السيادي، ذلك أن المجلس السيادي لم يصبه كثير مما أصاب مستويات الحكم الأخري، فهناك درجة لا بأس بها من الانسجام بين المكونين العسكري والمدني، وأن المدنيين الذين دفعت بهم قحت إلى مجلس السيادة تجاربهم أفضل بكثير من الذين دفعت بهم فيما دون ذلك، ثم أنهم جميعا تقريبا يعلون من البعد القومي، ويدركون حساسية المنصب، فهؤلاء يزيدهم قادة الحركات خيرا علي خير، لذلك – كنت ولا زلت – أري أن ترشيح بعض قادة الحركات لمجلس السيادة، يزيد من فاعليته، وحسنا أن حدث قبل ذلك تكوين مجلس لشركاء الحكم بعد السلام، أعاد إستيعاب كثيرين من الفاعلين في قوي الحرية والتغيير الذين كانوا قد خرجوا أو جمدوا نشاطهم، وجمع معهم العسكريين السياديين، وأضاف إليهم قادة الحركات الذين وقعوا علي اتفاق السلام، إلا أن الخطر الكبير الذي صار يهدد بضياع هذه الفرصة التي عادت من العدم، وصرنا نخشي معه إنتاج الأزمة القديمة أن المحاصصات عادت هذه المرة أسوأ من المرة الأولي، والتي كانت سببا في كثير من الكوارث التي حلت بالبلاد، وجعلت كثيرين يعيدون ذات السيناريو المتكرر علي مدار ستين عاما أو يزيد، فقبل أن تجف حلاقيم الثائرين من لعن الذين كانوا يحكمونهم، تنشرخ مرة أخري بهتافات مغايرة تماما علي شاكلة (ضيعناك وضعنا وراك) وليس تأخير تشكيل أجهزة الحكم حتى هذه اللحظة إلا بسبب هذه المحاصصة، فالشركاء الجدد يختلفون أولا في عدد الوزارات التي تذهب لكل طرف، ثم يختلفون علي تصنيف الوزارات (سيادي، اقتصادي، خدمي) ثم تأتي أخيرا مؤهلات الذي يشغل الوزارة، وسوف تظهر هنا قبل الكفاءات والمؤهلات العلمية، والتجارب العملية، الانتماءات القبلية، والمواقع الجهوية، وتصير علينا قصة (كأنك يا أبو زيد ما غزيت)
عموما رغم أني لا أري اي مبشرات تلوح في الأفق، تقول أن الشركاء يمكن أن يتجاوزا بنا هذه المحنة، ونعبر وننتصر، علي قول السيد حمدوك، لكنني قررت أن اصمت عن أي أفكار حتى اللحظة الأخيرة، ولا أظن أن هناك لحظة أنسب من ختام هذا الأسبوع، والذي يصادف أيضا ختام العام 2020م، وأعتقد أن هذه أنسب وآخر فرصة لتسير الأمور حسب هذه الخطة الموضوعة، والا سيكون لكل حدث حديث بإذن الله تعالي، والله المستعان.

اضغط هنا للإنضمام لقروبات الواتساب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي
إغلاق
إغلاق