
كلام سياسةالصافي سالم
لم أكن يوماً بعيداً عن هموم أهلي في كافة أنحاء السودان وخاصة غرب كردفان، ولا عن وجع دار حمر التي أنتمي إلى أرضها وأهلها وتاريخها. وكلما تذكرت النهود والخوي وغبيش وأبو زبد، ودبندة واللضية والحميرة السمحة شبية الخرطوم (الفولة عاصمة الولاية )وتلك القرى التي كانت تضج بالحياة، ثم فرّقت الحرب شمل أهلها، شعرت بغصة في حلقي وحزن يعتصر قلبي. كيف لا، وأنا أرى أهلي بين نازح ينتظر العودة، وأم تبكي ابنها، وأطفال حُرموا من دفء منازلهم، وأرض عزيزة تنتظر أن يعود إليها الأمن والاستقراروما يزيدني ألماً وفخراً أن دار حمر وحدها، التي تشير التقديرات الموثوقة قدمت أكثر من ألف وخمسمائة شهيد من فرسانها في معركة الكرامة، لا تزال تنتظر اليوم الذي تلتئم فيه جراحها ويعود أهلها إلى ديارهم. لقد امتدت تضحيات أبنائها إلى جبهات عديدة من السودان، بينما بقيت أرضهم وأسرهم في انتظار الفرج.ولأنني ابن هذه الأرض، فإنني لا أكتب اليوم بحبر الصحافة وحده، بل أكتب بوجع الانتماء، وصدق الوفاء، ودموع الأمهات، وصبر الآباء، وأحلام النازحين. أكتب وفي خاطري الراحل الناظر سيد شهداء معركة الكرامة عبد القادر منعم منصور، وكل الذين فقدناهم، وأسأل الله أن يجعل تضحياتهم جسراً تعبر عليه دار حمر وغرب كردفان نحو الأمن والسلام.وسط هذه المشاعر، استوقفتني كلمات والي غرب كردفان، اللواء حامد تيراب، وهو يقول: لم يتبقَّ لنا شيء لتحرير الولاية، وأبناؤنا حرّروا السودان توقفت طويلاً عند هذه العبارة، ووجدت فيها صوت الأرض التي تنتظر أبناءها، ونداء الأسر التي طال نزوحها، وأمل أهل غرب كردفان في أن تنتهي أيام المعاناة، وتبدأ مرحلة العودة والإعمار والاستقرار.هذه ليست مجرد كلمات بل رسالة تحمل في طياتها وجع أهل غرب كردفان، وتضحيات أبنائها، وأحلام آلاف الأسر التي شردتها الحرب، وأصبحت تنتظر اليوم الذي تعود فيه إلى ديارها، وتفتح أبواب منازلها، وتستعيد حياتها وأمنها وكرامتها.منذ تعيينه والياً لغرب كردفان، تحرك اللواء حامد تيراب بين معسكرات النزوح في شمال كردفان وولاية النيل الأبيض، حيث تقاسم مع المواطنين همومهم واستمع إلى معاناتهم وتطلعاتهم للعودة. واليوم، تتجه جهوده نحو حشد أبناء الولاية وتوحيد صفوفهم، في مرحلة تتطلع فيها غرب كردفان إلى استعادة الأمن والاستقرار وإنهاء معاناة النزوح.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حديث الوالي هو أن أبناء غرب كردفان، وفي مقدمتهم أبناء دار حمر، كانت لهم مشاركات واسعة في صفوف القوات المسلحة والقوات المساندة في مختلف جبهات البلاد.ابناء دار حمر الذين عرفهم السودان أهل نخوة وشجاعة ووفاء، لم يحصروا اهتمامهم في حدود منطقتهم، بل امتدت مشاركاتهم إلى جبهات متعددة، وظل كثير منهم بعيدين عن أسرهم وديارهم، بينما تنتظرهم أمهات وآباء وزوجات وأطفال يحلمون بلحظة اللقاء والعودة. الذي تحملته الأسر، ويضع أمام الجميع مسؤولية عظيمة تجاه ذوي الشهداء وأبنائهم، وتجاه مستقبل المنطقة التي دفعت هذا الثمن الإنساني الباهظ.فخلف كل شهيد حكاية أسرة، وأم فقدت ابنها، وأطفال ينتظرون عودة أبيهم. وهذه التضحيات تستحق أن تُخلّد في ذاكرة الوطن، وأن يقابلها الوفاء الحقيقي برعاية أسر الشهداء، وتحقيق الأمن والاستقرار، وصون كرامة الإنسان.وهنا يبرز السؤال الكبير: إذا كان أبناء غرب كردفان قد شاركوا في الدفاع عن مناطق عديدة من السودان، أفلا يستحق أهلهم اليوم أن ينعموا بالأمن، وأن يعود النازحون إلى قراهم ومدنهم، وأن تستعيد النهود والخوي وغبيش وأبو زبد وبقية مناطق الولاية عافيتها؟إن غرب كردفان لا تحتاج إلى الشعارات وحدها، بل إلى وحدة أبنائها، وتكاتف إداراتها الأهلية، وتوفير الدعم الإنساني للنازحين، والعمل على إعادة الخدمات وإعمار ما دمرته الحرب. فالانتصار الحقيقي لا يكتمل إلا بعودة المواطن إلى أرضه آمناً مطمئناً، وبعودة المدارس والمستشفيات والأسواق والحياة الطبيعية.ولا يمكن الحديث عن دار حمر وتضحياتها دون أن نستحضر سيرة الراحل الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي أصبح اسمه رمزاً للصمود والوفاء للأرض والأهل.لقد ترك الناظر عبد القادر منعم منصور إرثاً كبيراً من المسؤولية والانتماء، وستظل ذكراه حاضرة في وجدان أهله ومحبيه. وما أجمل أن يكون الوفاء لذكراه بتحقيق السلام والأمن في دار حمر، وصون كرامة أهلها، وإعادة النازحين إلى ديارهم.وإنني أقول للواء حامد تيراب: إن المسؤولية اليوم كبيرة، وآمال أهل غرب كردفان أكبر. فالولاية تنتظر من قيادتها أن تجمع ولا تفرق، وأن تستنهض الطاقات للإعمار والاستقرار، وأن تجعل قضية النازحين والعودة الآمنة في مقدمة أولوياتها.إن الحديث عن اقتراب تحرير غرب كردفان يعكس حجم الأمل الذي يتمسك به أبناؤها، لكن تحقيق هذا الأمل يحتاج إلى جهود مسؤولة تحمي المدنيين، وتحافظ على النسيج الاجتماعي، وتمنع الثأر والانتقام، وتفتح الطريق أمام سلام دائم.
التحية لأبناء غرب كردفان ودار حمر المرابطين في الصفوف الأمامية، ولجميع أبناء السودان الذين يتحملون مشاق الحرب دفاعاً عن وطنهم.والرحمة والمغفرة لشهداء السودان كافة، وفي مقدمتهم الراحل الناظر عبد القادر منعم منصور، والتحية لأسر الشهداء والمفقودين، وللجرحى والمصابين، ولكل أم صبرت، ولكل أسرة نزحت، ولكل مواطن لا يزال ينتظر العودة.وأخيراً، أقولها من القلب:يا أهل غرب كردفان، إن الأرض التي جمعت أجدادنا قادرة على أن تجمع أبناءنا من جديد. فلا تجعلوا الحرب تمزق ما صنعته قرون من التعايش والمودة. اجعلوا وحدة الصف طريقاً للسلام، والوفاء للشهداء عملاً من أجل الحياة، وحب الوطن مسؤولية تتسع للجميع.نسأل الله أن يكتب النصر والأمن والسلام للسودان، وأن يعيد أهل غرب كردفان إلى ديارهم سالمين، وأن يجعل من تضحيات أبنائها بداية لعهد جديد من الاستقرار والإعمار.
فالولاية التي أنجبت كل هؤلاء الرجال تستحق أن تعود آمنة، عزيزة، موحدة، وأن يكون مستقبل أبنائها أفضل من ماضي الحرب وآلامها.
حفظ الله السودان، ورحم شهداءه، وردّ النازحين إلى ديارهم، وجمع شمل أهله على الخير والسلام.



