أخر الأخبار

كسر دورة الأزمات والفشل في السودان: حلول جذرية لمعالجة الاختلالات البنيوية ومنع تجدد الصراعات والانهيار

.

بقلم الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل.

لم تعد الأزمة السودانية قابلة للفهم أو المعالجة باعتبارها حرباً مسلحة اندلعت بين قوى متنافسة على السلطة، أو أزمة سياسية عابرة يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة، أو انهياراً اقتصادياً يمكن تجاوزه بحزمة من التدابير المالية والإغاثية. فالسودان يواجه أزمة دولة ومجتمع متراكمة، تشكلت عبر عقود من اختلال الحكم، وضعف المؤسسات، وتفاوت توزيع السلطة والثروة، والتهميش التاريخي، وغياب العدالة، وتسييس الهويات، وتراجع سيادة القانون، وتكرار إخفاقات الانتقال السياسي، فضلاً عن تداخل المصالح الاقتصادية غير المشروعة مع النفوذ السياسي والعسكري. وقد أظهرت التجارب المتعاقبة أن معالجة مظهر واحد من مظاهر الأزمة، مع الإبقاء على أسبابها العميقة، لا تؤدي إلى التعافي المستدام، بل تؤجل الانفجار وتعيد إنتاجه في صورة جديدة. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل في كيفية الخروج من الحرب الراهنة فحسب، وإنما في كيفية إنهاء الدورة التاريخية التي جعلت الأزمات تتكرر، والتسويات تتعثر، ومؤسسات الدولة تضعف، ومعاناة المواطنين تتجدد جيلاً بعد جيل.

إن جوهر المشكلة السودانية يكمن في الترابط بين أزمات الحكم والأمن والاقتصاد والعدالة والهوية والتنمية. فضعف المؤسسات يفتح المجال أمام تغول مراكز القوة، وغياب المساءلة يشجع الإفلات من العقاب، والتهميش يوسع فجوات الثقة بين المجتمعات والدولة، والفقر والبطالة وانهيار الخدمات يزيدان الهشاشة الاجتماعية، فيما يؤدي التحريض وخطاب الكراهية إلى تحويل التنوع الطبيعي للمجتمع السوداني إلى أداة للتعبئة والانقسام. وتغذي هذه العوامل بعضها بعضاً، حتى تصبح الدولة عاجزة عن معالجة الأزمات التي تسهم بنيتها المختلة في إنتاجها. ولهذا، فإن أي مقاربة جادة ينبغي أن تنطلق من فهم الأزمة باعتبارها منظومة مترابطة من الاختلالات، لا مجموعة من المشكلات المنفصلة التي يمكن حل كل منها بإجراء مستقل. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتسكين الأعراض، وإنما بتغيير الشروط السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للأزمات بالعودة.

ويقتضي ذلك الاعتراف بأن إنهاء القتال، على أهميته القصوى، يمثل بداية المعالجة ولا يمثل نهايتها. فالهدنة التي لا ترتبط بترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وحماية فعالة للمدنيين، وإصلاح مؤسسي، ومسار سياسي ذي شرعية مجتمعية، قد تتحول إلى فترة لإعادة ترتيب القدرات العسكرية والاستعداد لجولة جديدة من المواجهات. كما أن الاتفاقات التي تقتصر على توزيع المناصب والنفوذ بين القوى المتنافسة، دون معالجة أسباب النزاع ومظالم المتضررين، قد تعيد إنتاج البيئة التي اندلعت فيها الحرب. لذلك ينبغي أن يُقاس نجاح أي تسوية بقدرتها على منع تجدد العنف، وإعادة الأمان إلى حياة المواطنين، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة، وفتح الطريق أمام انتقال سياسي مدني، واستعادة الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة، وإرساء قواعد تمنع احتكار السلطة والثروة. فالسلام ليس مجرد غياب مؤقت للرصاص، بل نظام من الحقوق والضمانات والمؤسسات يجعل اللجوء إلى العنف أقل احتمالاً، ويتيح إدارة الخلافات بالوسائل السياسية والقانونية.

وتبدأ المعالجة السياسية من بناء شرعية جديدة للحكم، تقوم على المواطنة المتساوية والإرادة الشعبية وسيادة القانون، لا على موازين القوة العسكرية أو التفاهمات المغلقة أو الامتيازات التاريخية. فالسودان يحتاج إلى قواعد دستورية واضحة تحدد طبيعة الدولة، واختصاصات السلطات، والعلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وضمانات استقلال القضاء، وحقوق الأفراد والجماعات، وآليات تداول السلطة ومحاسبة الحكام. وينبغي ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع مفتوح بلا غاية محددة أو جدول زمني، ولا إلى وسيلة لإعادة تدوير النخب نفسها تحت مسميات جديدة. بل يجب أن ترتبط بأهداف قابلة للقياس، تشمل استعادة المؤسسات المدنية، وإصلاح أجهزة الدولة، وتهيئة الظروف للانتخابات الحرة والنزيهة، وضمان الحريات العامة، وإتاحة المشاركة السياسية دون إقصاء أو تهديد أو استخدام للسلاح. كما ينبغي أن تستند العملية السياسية إلى مشاركة واسعة تشمل القوى المدنية والمهنية والمجتمعية، والنساء والشباب، وممثلي الأقاليم، والنازحين واللاجئين، والضحايا، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، بحيث لا تُختزل إرادة السودانيين في عدد محدود من الأطراف المسلحة أو القيادات السياسية.

ولا يعني توسيع المشاركة أن جميع القوى أو الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها عن الانتهاكات أو أن الحقوق القانونية يمكن التفاوض بشأنها. بل يجب أن تظل المشاركة السياسية خاضعة لمبادئ القانون، وأن تُعالج المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات من خلال إجراءات مستقلة وعادلة، دون منح حصانة تلقائية بسبب النفوذ أو المشاركة في المفاوضات. كما ينبغي أن تضمن العملية السياسية حق المواطنين في الاختلاف والتنظيم والتعبير، وأن تمنع استخدام الاتهامات السياسية أو الانتماءات الجهوية والقبلية لإقصاء الأفراد بصورة تعسفية. فالدولة المستقرة هي التي تدير التنافس دون تحويله إلى صراع وجودي، وتحمي المعارضة دون السماح بالعنف، وتخضع الحاكم والمحكوم للقانون ذاته.

أما أزمة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة ومراكز القيادة، فهي من أخطر الاختلالات التي تهدد مستقبل الدولة. ولا يمكن بناء نظام دستوري مستقر في ظل وجود قوى مسلحة مستقلة عن سلطة الدولة، أو مؤسسات أمنية تتدخل في السياسة والاقتصاد، أو موارد تمويل لا تخضع للرقابة العامة. ولذلك ينبغي أن تقوم عملية الإصلاح الأمني والعسكري على هدف واضح يتمثل في بناء مؤسسات مهنية موحدة، خاضعة للسلطة المدنية الدستورية، ومهمتها حماية البلاد والمواطنين، لا التنافس على الحكم أو إدارة المصالح الاقتصادية. ويتطلب ذلك تقييماً مهنياً للأفراد والهياكل، وإعادة تنظيم القيادة، وتوحيد نظم التدريب والانضباط والمساءلة، ومراجعة النشاط الاقتصادي للمؤسسات الأمنية والعسكرية، ووضع ترتيبات قانونية لدمج المؤهلين وتسريح الآخرين وإعادة إدماجهم في الحياة المدنية. ويجب أن تتم هذه العملية وفق خطة معلنة ومراحل قابلة للتحقق، مع رقابة مستقلة وضمانات تمنع الانتقام الجماعي أو إعادة إنتاج التشكيلات المسلحة تحت أسماء جديدة. ولا يمكن أن يكون الإصلاح ناجحاً إذا اقتصرت نتائجه على تغيير القيادات مع بقاء تعدد مراكز القوة والتمويل والقرار.

وتظل العدالة شرطاً أساسياً لإنهاء دورة العنف، لأن المجتمعات التي تعرضت للقتل والتهجير والتعذيب والعنف الجنسي والاستيلاء على الممتلكات لا تستطيع استعادة ثقتها بالدولة من خلال دعوات عامة للنسيان أو المصالحة الشكلية. وينبغي إنشاء مسار وطني مستقل للعدالة الانتقالية، يضم آليات لكشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، إلى جانب جبر الضرر والتعويض وإعادة الممتلكات والبحث عن المفقودين ودعم الناجين وأسر الضحايا. كما ينبغي إصلاح المؤسسات التي أسهمت في وقوع الانتهاكات أو فشلت في منعها، وتطوير آليات حماية الشهود والضحايا، وضمان استقلال الجهات العدلية عن النفوذ السياسي والعسكري. ولا ينبغي التعامل مع العدالة والمصالحة باعتبارهما خيارين متعارضين؛ فالمصالحة المستدامة تحتاج إلى الاعتراف بالحقيقة والإنصاف وضمان عدم التكرار، كما تحتاج إلى مشاركة المجتمعات المتضررة في تحديد أولويات التعافي. أما التسويات التي تتجاهل حقوق الضحايا، فقد تؤجل المواجهة مع الماضي لكنها لا تضمن تجاوز آثاره.

ويحتل إصلاح العلاقة بين المركز والأقاليم موقعاً محورياً في أي معالجة جذرية للأزمة السودانية. فقد ساهم التفاوت في توزيع الموارد والخدمات والفرص، ومحدودية المشاركة في صنع القرار، وضعف التنمية في مناطق واسعة، في تعميق الإحساس بالتهميش والإقصاء. ولذلك لا يكفي تغيير المسؤولين أو إطلاق وعود عامة بالتنمية، بل ينبغي بناء نظام واضح لتوزيع الاختصاصات والموارد بين مستويات الحكم، مع تمكين السلطات المحلية من إدارة الخدمات والتنمية ضمن إطار دستوري يحافظ على وحدة البلاد ويضمن الحقوق المتساوية. ويتطلب ذلك اعتماد معايير معلنة لتوزيع الإيرادات والاستثمارات العامة، تراعي عدد السكان ومستويات الفقر والحرمان والاحتياجات التنموية، وإنشاء آليات مستقلة لمراجعة التوزيع ومنع التلاعب به. كما ينبغي أن يكون للمجتمعات المحلية دور فعلي في تحديد أولويات الإنفاق ومراقبة المشروعات، وأن تخضع الموازنات المحلية والقومية للشفافية والتدقيق. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة أو بالشعارات، وإنما تتعزز عندما يشعر المواطنون في مختلف الأقاليم بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم وتوفر لهم فرصاً عادلة.

وتتطلب معالجة نزاعات الأرض والحواكير والملكية والسكن اهتماماً خاصاً، ولا سيما في المناطق التي شهدت تهجيراً قسرياً وتغيرات سكانية قسرية واستيلاءً على الممتلكات. فهذه القضايا ليست نزاعات عقارية محدودة، بل ترتبط بالأمن المجتمعي والعدالة التاريخية وإمكانية عودة النازحين واللاجئين. وينبغي إنشاء آليات قانونية مستقلة لتسجيل المطالبات والتحقق منها، وتسوية النزاعات وفق الأدلة والأعراف المشروعة والقانون، وإعادة الحقوق لأصحابها متى أمكن، وتوفير التعويض المناسب عندما تتعذر الاستعادة، مع منع استغلال التسويات لتكريس نتائج التهجير أو مصادرة الحقوق. كما يجب ضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة، وعدم إجبار المتضررين على العودة إلى مناطق تفتقر إلى الأمن أو الخدمات أو ضمانات الحماية. ولا يمكن تحقيق سلام محلي مستدام إذا ظلت أسباب النزاع على الأرض والموارد دون تسوية عادلة وموثوقة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا بد من تفكيك اقتصاد الحرب ومصالحه، واستعادة الرقابة العامة على الموارد الطبيعية والإيرادات والمعابر والعقود الحكومية، ومكافحة التهريب والاحتكار والفساد وغسل الأموال وتمويل الانتهاكات. فحين تتحول الفوضى إلى مصدر للربح والنفوذ، يصبح استمرار الأزمة مصلحة لبعض الشبكات التي تستفيد من غياب المؤسسات. ولذلك ينبغي إخضاع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات العامة والعسكرية والأمنية للقانون والرقابة المالية، وتعزيز استقلال أجهزة المراجعة ومكافحة الفساد، وإعلان العقود والإيرادات العامة، والتحقيق في مصادر الأموال المشبوهة وفق ضمانات المحاكمة العادلة. ويجب أن تتم مكافحة الفساد على أساس الأدلة والإجراءات القانونية، لا أن تتحول إلى أداة للانتقام السياسي أو تصفية الحسابات. كما يتعين إصلاح النظام الضريبي والجمركي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، وحماية المنافسة المشروعة، وإعادة توجيه الموارد نحو الخدمات العامة والبنية التحتية وفرص العمل.

ولا يمكن للتعافي الاقتصادي أن ينجح دون خطة واقعية لاستعادة الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي والتجاري. فالسودان يمتلك إمكانات كبيرة في الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والطاقات البشرية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى رفاه عام يتطلب مؤسسات مستقرة، وبنية تحتية، وتمويلاً متاحاً، وسياسات اقتصادية شفافة، وأسواقاً عادلة. وينبغي أن تبدأ الأولويات بإعادة تشغيل سلاسل إنتاج الغذاء، وإصلاح نظم الري والتخزين والنقل، وتوفير المدخلات الزراعية، ودعم المنتجين وصغار المزارعين، وإعادة تأهيل المصانع والمرافق الأساسية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما يجب توسيع فرص التدريب المهني والتقني، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوفير فرص اقتصادية للشباب والنساء والنازحين والعائدين. ويُفترض أن تكون المساعدات الإنسانية جسراً نحو التعافي، لا بديلاً دائماً عن الإنتاج وفرص العيش، مع مراعاة أن الانتقال من الإغاثة إلى التنمية يجب أن يتم تدريجياً وألا يؤدي إلى قطع الدعم عن الفئات التي ما زالت تعتمد عليه.

ويحتاج السودان كذلك إلى خطة وطنية للتعافي وإعادة الإعمار، تستند إلى تقييم مستقل للأضرار والاحتياجات، وتحدد أولويات الإنفاق وفق حجم الضرر وعدد المستفيدين وأهمية الخدمات المتوقفة. وينبغي أن تشمل إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والاتصالات والأسواق والمرافق العامة، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأشد تضرراً والأكثر حرماناً. ويجب إنشاء آلية شفافة لإدارة التمويل، تنشر مصادر الأموال والعقود والمبالغ المصروفة والنتائج المحققة، وتخضع لمراجعة مستقلة ومشاركة مجتمعية. كما يمكن تعبئة الموارد المحلية والشراكات التنموية والاستثمارات المسؤولة ومساهمات السودانيين في الخارج، مع تجنب تحميل الأجيال المقبلة أعباء مالية غير مستدامة أو رهن الموارد الوطنية باتفاقات تفتقر إلى الشفافية. وينبغي ألا تُقاس إعادة الإعمار بعدد المباني التي أُعيد تشييدها فقط، بل بقدرة المواطنين على العودة إلى حياة آمنة، واستعادة مصادر رزقهم، والحصول على الخدمات، والتمتع بحقوقهم.

وتبقى قضايا الغذاء والمياه والمناخ جزءاً لا يتجزأ من الحل، لا ملفات ثانوية مؤجلة إلى ما بعد التسوية السياسية. فتدهور الزراعة، والجفاف والتصحر، وتراجع الخدمات البيئية، والتنافس على الأرض والمياه والمراعي، يمكن أن يزيد من هشاشة المجتمعات ويعمق النزاعات المحلية. ولذلك ينبغي تطوير سياسات لإدارة الموارد الطبيعية بصورة عادلة ومستدامة، وتحسين نظم الري والتخزين، ودعم الزراعة القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وحماية المراعي ومسارات الرعي، وإنشاء آليات محلية لحل النزاعات بين المجتمعات الزراعية والرعوية. كما ينبغي تعزيز نظم الإنذار المبكر بشأن المجاعة والأوبئة والكوارث الطبيعية، وربطها بخطط استجابة وتمويل مسبق، حتى لا تتحول الأزمات المتوقعة إلى كوارث واسعة بسبب تأخر التدخل أو ضعف التنسيق.

وتستوجب حماية الإنسان أن تظل الاحتياجات الإنسانية في مقدمة الأولويات. فالنازحون واللاجئون والنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمرضى والناجون من العنف يحتاجون إلى حماية وخدمات مستمرة، لا إلى وعود مؤجلة إلى حين اكتمال التسوية السياسية. وينبغي ضمان وصول المساعدات بأمان ودون عوائق غير مشروعة، وحماية العاملين في المجال الإنساني والمنشآت المدنية، وتوفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي. كما يجب ضمان استمرار التعليم وحماية الأطفال من التجنيد والاستغلال والعنف، وتوفير الخدمات المتخصصة للناجين من العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي. وينبغي أن تُصمم برامج العودة وإعادة الإدماج بالتشاور مع المتضررين، وأن ترتبط بتوافر الأمن والخدمات والحقوق القانونية، لا بضغط سياسي أو إداري يدفع الناس إلى العودة قبل تهيئة الظروف المناسبة.

وفي المجال الاجتماعي، يتطلب كسر دورة الأزمات معالجة الانقسامات وخطاب الكراهية والتمييز بصورة مؤسسية وتربوية وإعلامية. فالتنوع السوداني ليس في ذاته سبباً للصراع، وإنما تتفاقم مخاطره عندما تستخدم الهويات لتبرير الإقصاء أو التحريض أو نزع الإنسانية عن جماعات بعينها. ولذلك ينبغي حماية حرية التعبير والتنظيم، والتصدي للتحريض المباشر على العنف والتمييز وفق القانون، وتطوير المناهج التعليمية والإعلامية بما يعزز المواطنة واحترام التنوع، ودعم المبادرات المجتمعية للحوار وإصلاح العلاقات بين المجموعات المتضررة. كما يجب توثيق الانتهاكات القائمة على الهوية ومواجهتها بالتحقيق والمساءلة، وعدم التقليل من شأنها أو استخدامها لتبرير انتهاكات مضادة. فالمصالحة الاجتماعية لا تتحقق بإنكار المظالم أو فرض رواية واحدة للتاريخ، وإنما بإتاحة مساحة آمنة للاعتراف بالمعاناة، واستعادة الحقوق، وبناء ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

ويتطلب الإصلاح طويل الأجل إعادة بناء التعليم والصحة والخدمة المدنية، باعتبارها أعمدة الدولة وقدرتها على الاستمرار. فتعطل المدارس والجامعات والمستشفيات، وهجرة الكفاءات، وتدهور أوضاع العاملين، وضعف الإدارة العامة، كلها عوامل تقلل قدرة البلاد على التعافي وتوسع الفجوات بين الأجيال والمناطق. وينبغي وضع خطة مرحلية لاستعادة التعليم والرعاية الصحية، وتأهيل المرافق، ودعم المعلمين والعاملين الصحيين، وتوفير الأدوية والمستلزمات، وتوسيع خدمات الرعاية الأولية والصحة النفسية. كما ينبغي إصلاح الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، وتطوير التدريب ونظم التقييم والترقية، وتحسين الأجور وظروف العمل وفق الإمكانات المتاحة، وتعزيز الإدارة الرقمية والشفافية. فالمؤسسات القوية لا تقوم على الولاء للأشخاص، بل على قواعد مهنية تحافظ على استمرارية الخدمات مهما تغيرت الحكومات.

ولا بد أن تترافق هذه الإصلاحات مع منظومة رقابة ومساءلة تمنع تكرار الوعود غير المنفذة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات قد تتضمن أهدافاً واسعة، لكنها تفقد فعاليتها عندما تغيب الجداول الزمنية والمسؤوليات المحددة والبيانات المنشورة والجهات المستقلة القادرة على متابعة التنفيذ. ولذلك ينبغي اعتماد مؤشرات واضحة لقياس التقدم في حماية المدنيين، وإصلاح المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتحقيق العدالة، واستعادة الإنتاج، وتوزيع الموارد، ومكافحة الفساد. كما ينبغي نشر تقارير دورية تتيح للمواطنين معرفة ما أُنجز وما تعثر وأسباب التعثر، وتمكين المؤسسات الرقابية والإعلام والمجتمع المدني من مراجعة الأداء. ولا بد من وضع إجراءات تصحيحية عند الإخفاق، وآليات قانونية للمساءلة عند تعطيل الالتزامات أو إساءة استخدام الموارد. فالمحاسبة المنتظمة هي التي تحول الإصلاح من تعهدات سياسية إلى تغيير ملموس في حياة الناس.

ومن الضروري ترجمة هذه الرؤية إلى مسار زمني واقعي ومتدرج. ففي المرحلة العاجلة، ينبغي إعطاء الأولوية لحماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية، وتسهيل الإغاثة، وتأمين المرافق الحيوية، وحماية العاملين الإنسانيين، ووضع ترتيبات قابلة للمراقبة تمنع التصعيد وتحد من الانتهاكات. وبالتوازي، ينبغي إطلاق مشاورات سياسية ومدنية واسعة، وتحديد مبادئ الانتقال، وبدء التوثيق المستقل للانتهاكات، وتقييم الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية، ووضع آليات شفافة لتنسيق المساعدات. وفي المرحلة التالية، ينبغي التركيز على استعادة المؤسسات المدنية والخدمات الأساسية، وإطلاق إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وبدء مسارات العدالة الانتقالية، ومعالجة النزاعات على الأراضي والممتلكات، واستعادة النشاط الاقتصادي والإنتاجي. أما المرحلة الأطول، فينبغي أن تشمل ترسيخ المؤسسات الدستورية، واستكمال الإصلاحات القانونية والإدارية، وتوسيع التنمية المتوازنة، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة عند توافر الشروط الأمنية والسياسية والقانونية اللازمة، وبناء نظام مستدام للمساءلة والمشاركة العامة. وهذه المراحل لا ينبغي أن تكون مواعيد شكلية جامدة، بل مسارات ذات أهداف محددة تخضع للمراجعة وفق تطور الظروف، مع عدم استخدام التأخير ذريعة لتمديد الأوضاع الاستثنائية إلى أجل غير معلوم.

وتحتاج هذه العملية إلى مؤسسات مسؤولة عن التنفيذ والتنسيق، لا إلى لجان متداخلة تفتقر إلى الصلاحيات والموارد. وينبغي تحديد مسؤولية كل جهة حكومية أو مدنية أو رقابية عن الملفات التي تتولاها، ووضع قواعد واضحة لتبادل المعلومات وتنسيق الجهود، وضمان تمثيل المجتمعات المتضررة في متابعة التعافي المحلي. كما ينبغي إخضاع التمويل العام والدولي لمعايير الشفافية، وتحديد أولويات قابلة للقياس، ومنع ازدواجية المشروعات أو توجيهها وفق الاعتبارات السياسية. ويمكن أن تسهم الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات المهنية والحقوقية والإنسانية في تقديم الأدلة والتقييمات المستقلة، على أن تكون النتائج متاحة للرأي العام، وأن تُستخدم لتصحيح السياسات لا لتبريرها. فنجاح الإصلاح يتطلب معرفة دقيقة بالمشكلات، وقدرة مؤسسية على التنفيذ، واستعداداً للاعتراف بالأخطاء وتعديل المسار.

أما الدور الإقليمي والدولي، فينبغي أن يدعم حماية المدنيين وإنهاء التدخلات التي تؤجج الصراع، ويعزز المساءلة القانونية، ويدعم التعافي الإنساني والاقتصادي، ويحترم سيادة السودان وحقوق شعبه. ويجب أن تُبنى المساندة الدولية على احتياجات السودانيين وأولوياتهم المعلنة، لا على تنافس القوى الخارجية على النفوذ أو الموارد. كما ينبغي توجيه الدعم إلى المؤسسات والخدمات والمجتمعات المتضررة وفق آليات رقابية واضحة، وتعزيز التنسيق بين الجهود الدبلوماسية والإنسانية والتنموية والعدلية. ولا يمكن للدعم الخارجي أن يحل محل الإرادة السودانية أو يمنح شرعية داخلية لاتفاق لا يحظى بقبول مجتمعي، لكنه يستطيع أن يساعد في توفير الضمانات والموارد والخبرة اللازمة عندما يكون مرتبطاً بأهداف واضحة وقواعد شفافة.

إن كسر دورة الأزمات والفشل في السودان لن يتحقق بتغيير الأشخاص وحده، ولا بتوقيع اتفاق جديد، ولا بإعادة بناء المؤسسات على صورتها السابقة، بل بتغيير القواعد التي أنتجت الاختلالات وسمحت بتكرارها. ويتطلب ذلك الانتقال من سياسة احتكار السلطة إلى المشاركة والمساءلة، ومن تعدد مراكز القوة إلى مؤسسات مهنية خاضعة للقانون، ومن تجاهل المظالم إلى العدالة وجبر الضرر، ومن التهميش إلى التوزيع المنصف للموارد والخدمات، ومن اقتصاد يستفيد من الفوضى إلى اقتصاد منتج يخدم المجتمع، ومن المصالحات الشكلية إلى معالجة حقيقية لأسباب الانقسام. كما يتطلب أن تكون حماية الإنسان معياراً مركزياً في تقييم كل قرار سياسي أو اقتصادي أو أمني، وأن يُقاس نجاح الدولة بقدرتها على توفير الأمن والحقوق والخدمات والفرص، لا بقدرتها على إحكام السيطرة أو توزيع المناصب.

والدرس الأهم هو أن الأزمات التي لا تُعالج جذورها لا تختفي، بل تنتظر الظروف المناسبة للعودة. فإذا انتهت المواجهات المسلحة دون إصلاح مؤسسات الحكم والأمن، وإذا أُبرمت التسويات دون عدالة، وإذا استمرت الفجوات بين الأقاليم، وإذا بقيت الموارد خارج الرقابة، وإذا حُرم المواطنون من المشاركة الفعلية، فإن السلام سيظل معرضاً للانتكاس، وقد تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة تسبق حرباً جديدة. أما إذا ارتبط وقف القتال بمسار متكامل لحماية الحقوق وإصلاح الدولة واستعادة الاقتصاد ومعالجة المظالم، فإن فرص الاستقرار تصبح أكثر واقعية، ويصبح الاختلاف السياسي قابلاً للإدارة ضمن المؤسسات بدلاً من أن يتحول إلى مواجهة مسلحة.

إن السودان لا يحتاج إلى حلول تؤجل أزماته، بل إلى حلول تعالج أسبابها؛ ولا يحتاج إلى تسويات تقتصر على تقاسم السلطة، بل إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتخضع للمساءلة؛ ولا يحتاج إلى سلام يُقاس بطول الهدنة، بل إلى استقرار يُقاس بقدرة الناس على العيش بأمان وكرامة، والعودة إلى منازلهم، والحصول على التعليم والعلاج والغذاء والعمل، والمشاركة في تحديد مستقبلهم. فالمعالجة الجذرية ليست وعداً بتحقيق مجتمع خالٍ من الخلافات، وإنما بناء دولة تمتلك القدرة على إدارة الخلافات سلمياً، وتصحيح أخطائها، ومنع تحولها إلى انهيار شامل.

إن كسر دورة الأزمات والفشل في السودان ضرورة تاريخية لحماية المجتمع وصون وحدة البلاد ومنع انتقال المأساة إلى الأجيال المقبلة. ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة سياسية ومجتمعية تعترف بجذور الأزمة، ومؤسسات مستقلة قادرة على تنفيذ الإصلاح، وعدالة لا تستثني أصحاب النفوذ، وتنمية تشمل المناطق والمجتمعات التي طالها التهميش، ورقابة تضمن أن تظل الالتزامات نافذة بعد توقيع الاتفاقات وتغير الحكومات. عندها فقط يمكن للسودان أن ينتقل من تكرار الانهيار إلى مسار تعافٍ مستدام، ومن إدارة المأساة إلى منع أسبابها، ومن سلام مؤقت مهدد بالانتكاس إلى دولة تحمي الإنسان وتصون حقوقه وتمنح الأجيال القادمة فرصة حقيقية لحياة أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى