حوار مع نفسي.. هل نسي السودانيون أن الحرب لم تنتهِ بعد؟

الحاكم نيوز :

كلام سياسةالصافي سالم

جلست مع نفسي هذا المساء ، وقلت لها: ماذا يحدث لنا نحن السودانيين؟ لماذا ننسى بهذه السرعة؟

قالت لي نفسي: لأن الإنسان، حين تطول عليه المعاناة، يبدأ في البحث عن تفاصيل حياته اليومية، وينسى أحيانًا الصورة الأكبر.

قلت لها: ولكن كيف ننسى الحرب وهي ما زالت مستمرة؟ كيف نسأل اليوم عن الوقود والأسعار ومعاش الناس، وكأن البلاد تعيش ظرفًا طبيعيًا، وكأن المعارك قد توقفت، وكأن الدماء التي سالت، والبيوت التي دُمّرت، والمدن التي هُجّر أهلها، أصبحت مجرد ذكرى بعيدة؟نعم، من حق المواطن أن يسأل عن الخبز والوقود والدواء والأسعار، ومن حقه أن يطالب الحكومة بتحسين معاشه وتخفيف أعبائه. لكن السؤال الأكبر الذي يجب ألا يغيب عن وعينا هو: هل انتهت الحرب حتى نتصرف وكأننا في مرحلة ما بعد الحرب؟

قبل سنوات قليلة فقط، كانت الجثث في الطرقات، وكانت المعارك تقترب من الأحياء، وكانت الأسر تهرب من منازلها بحثًا عن مكان آمن، وخرج الملايين من ديارهم نازحين ومشردين، وفقد السودان أبناءه من القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المشتركة والمستنفرين، وهم يؤدون واجبهم في الدفاع عن الوطن.

فهل نسينا كل ذلك؟

هل نسينا المدن التي دمرتها الحرب؟

هل نسينا الأسر التي فقدت أبناءها؟هل نسينا النازحين الذين تركوا بيوتهم وأعمالهم ومصادر رزقهم؟هل نسينا الذين ما زالوا ينتظرون العودة إلى قراهم ومدنهم؟هل نسينا أن المعركة لم تكن من أجل الوقود وحده، ولا من أجل أسعار السلع، وإنما من أجل أن يبقى السودان وطنًا واحدًا آمنًا ومستقرًا؟قلت لنفسي: إذن، ماذا تريدين من المواطن؟أجابتني: لا أريد منه أن يصمت عن معاناته، ولا أن يتجاهل الغلاء، ولا أن يتوقف عن مطالبة الحكومة بالقيام بواجبها.ولكن أريده أن يفهم ترتيب الأولويات في زمن الحرب.أريده أن يدرك أن القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى والقوات المشتركة التي تقاتل في الميدان تحتاج إلى سند الشعب، وأن تحرير كل شبر من أرض السودان واستعادة الأمن والاستقرار مسؤولية وطنية تتطلب تماسك المجتمع، لا التشكيك في كل شيء، ولا التعامل مع الحرب وكأنها انتهت.

فالحرب لا تنتهي بمجرد أن يهدأ صوت المدافع في مدينة ما، ولا بمجرد أن تتحسن حركة الأسواق في منطقة أخرى. الحرب تنتهي عندما يعود الأمن إلى كل شبر، ويعود النازح إلى بيته، ويأمن المواطن على نفسه وأسرته، وتعود الدولة ومؤسساتها إلى كل المناطق التي خرجت عن سيطرتها.وهنا سألت نفسي مرة أخرى:

هل نحن شعب بلا ذاكرة؟

لا أريد أن أقول ذلك، لأن السودانيين شعب عظيم، دفع ثمنًا غاليًا في هذه الحرب. لكن ما أخشاه هو أن تتحول سرعة النسيان إلى ضعف في الوعي.

علينا أن نتذكر دائمًا أن وراء كل رقم في قوائم الشهداء أسرةً فقدت عزيزًا، ووراء كل نازح بيتًا وحياةً انقطعت، ووراء كل مدينة مدمرة سنوات من البناء والعمل.

وفي الوقت نفسه، لا بد أن نقول للحكومة بكل وضوح: دعم القوات المسلحة لا يعني إعفاء الحكومة من مسؤولياتها.

نريد معركة عسكرية ناجحة، ونريد معها إدارة مدنية واقتصادية ناجحة. نريد تحرير الأرض، ونريد حماية المواطن. نريد الانتصار في الميدان، ونريد أن يشعر المواطن بأثر هذا الانتصار في معاشه وأمنه وخدماته.

هذه ليست مطالب متناقضة.لكن الخطأ أن ننسى الحرب ونحن ما زلنا في قلبها.فالوقود مهم، والخبز مهم، والأسعار مهمة، ومعاش الناس أولوية، لكن هناك أولوية أكبر تسبق كل ذلك: أن يكون السودان آمنًا موحدًا، وأن تستعيد الدولة كامل أرضها، وأن تنتهي أسباب الحرب.

قلت لنفسي في نهاية الحوار: ربما لا يحتاج السودانيون إلى أن يتوقفوا عن السؤال عن معاشهم، وإنما يحتاجون إلى أن يسألوا السؤالين معًا:متى تتحسن معيشتي؟ومتى تنتهي هذه الحرب ويعود السودان آمنًا مستقرًا؟

فالأولى مسؤولية الحكومة، والثانية مسؤولية وطن بأكمله.

وحتى يتحقق ذلك، علينا ألا ننسى شهداءنا، ولا نازحينا، ولا مدننا المدمرة، ولا الجنود الذين يقفون اليوم في الخطوط الأمامية.السودان لم يخرج بعد من الحرب، ولذلك لا ينبغي أن تتصرف ذاكرته وكأن الحرب انتهت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى