
في مشهد دولي مضطرب تتصدره الأزمات، يبرز الموقف الروسي الداعم للسودان كأحد أعمق أشكال التحالفات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة. ففي وقت تواجه فيه البلاد حرباً مدمرة وتحديات وجودية، اختارت موسكو أن تقف إلى جانب الحكومة السودانية في المحافل الدولية، رافضة كل محاولات التدخل الخارجي أو فرض وصاية على القرار الوطني السوداني.
لم يكن استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن في نوفمبر 2024 مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كان قراراً مصيرياً أنقذ السودان من مخططات خارجية كانت تهدف إلى تقويض سيادته الوطنية. فقد استخدمت موسكو الفيتو ضد مشروع القرار البريطاني الذي كان يهدف إلى التدخل في الشأن السوداني تحت ذريعة حماية المدنيين، وهو الموقف الذي رحبت به الحكومة السودانية ووصفته بأنه “يعكس التزام روسيا بمبادئ القانون الدولي”.
وقد أكد رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان في رسالة شكر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الموقف الروسي “يعبر عن دعم الشعب السوداني في المحافل الدولية، لا سيما في مجلس الأمن الدولي”. ولم يقتصر هذه المواقف على المستوى الرسمي فحسب، بل لاقى استحساناً شعبياً واسعاً بين السودانيين الذين اعتبروا أن “روسيا تدعم السودان دبلوماسياً وعسكرياً”.
الرفض الروسي لتوسيع العقوبات: خط أحمر ضد ظلم السودان
في تطور هو الأحدث والأخطر، رفضت روسيا بشكل قاطع أي محاولة لتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على السودان لتشمل جميع أنحاء البلاد بدلاً من دارفور فقط. وخلال جلسة مجلس الأمن التي عقدت مؤخرًا، أعلنت نائبة المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، آنا إيفستيجنييفا، أن موسكو “لن تسمح حتى بمجرد الإشارة إلى توسيع القيود المفروضة على السودان”.
ووصفت المندوبة الروسية توسيع نطاق العقوبات بأنه “خط أحمر”، مؤكدة أن هذا الموقف “يتناسب مع موقف الحكومة السودانية” التي تمثل من وجهة نظر موسكو “الضامن لاستمرار مؤسسات الدولة والحفاظ على الوحدة الوطنية وحماية المدنيين”. وقد عارضت روسيا والصين وباكستان، إلى جانب الأعضاء الأفارقة الثلاثة في المجلس، توسيع النطاق الجغرافي للعقوبات، مفضلين الإبقاء على النظام الحالي مقتصراً على دارفور.
وتساءلت المندوبة الروسية عن أسباب الدعوة لتوسيع نطاق العقوبات في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن القوات المسلحة السودانية تتمتع بأفضلية واضحة على الأرض، مما يفضح التناقض في الموقف الأمريكي الذي يطالب بحظر شامل للسلاح بينما تتقدم القوات الحكومية ميدانياً. وقد أكد نائب المندوب الروسي أن موسكو لن تسمح حتى بمجرد الإشارة إلى توسيع القيود، مشدداً على أن هذا الموقف يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
شراكة تمتد إلى الاقتصاد والتنمية
لم تقتصر العلاقات السودانية الروسية على الجانب السياسي والعسكري، بل امتدت لتشمل مجالات اقتصادية وتنموية حيوية. فقد وقع البلدان في سبتمبر 2025 بروتوكول تعاون اقتصادي وتجاري، إلى جانب مذكرتي تفاهم في مجالي النقل والبنية التحتية والمصارف والبنوك.
وأكد وزير المالية والاقتصاد السوداني جبريل إبراهيم أن السودان يسعى لشراكات روسية واسعة في الطاقة والذهب، مشيراً إلى أن البلاد تهدف إلى جذب الشركات الروسية لتطوير حقول النفط ومشاريع الكهرباء ومناجم الذهب. كما أشار الوزير إلى أن السودان يمضي بثبات نحو مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، ويتطلع إلى توسيع آفاق التعاون الاستراتيجي مع روسيا في مجالات الاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
القاعدة الروسية على البحر الأحمر: بوابة السودان إلى الاستقرار
في ظل هذه الشراكة المتنامية، تبرز مسألة إقامة قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر في بورتسودان كأحد أهم الملفات الاستراتيجية التي تحمل في طياتها مصالح متبادلة كبرى للطرفين. بموجب المقترح السوداني، تُمنح روسيا حق استخدام القاعدة لمدة 25 عاماً، يسمح بوجود ما يصل إلى أربع سفن حربية و300 جندي روسي، في مقابل الحصول على أسلحة روسية متطورة بأنظمة دفاع جوي مضادة للطائرات وبأسعار تفضيلية.
وتمثل هذه القاعدة فرصة ذهبية للسودان لتعزيز قدراته الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة، خاصة أن القوات المسلحة السودانية تخوض معركة وجودية ضد قوات الدعم السريع المدعومة من أطراف خارجية. كما أن وجود قاعدة بحرية روسية في بورتسودان سيوفر للسودان حماية استراتيجية لسواحله الممتدة على البحر الأحمر، الذي يعد أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
ولموسكو أيضاً، تشكل هذه القاعدة إضافة نوعية لاستراتيجيتها العالمية، حيث ستمثل أول قاعدة بحرية روسية في أفريقيا، مما يعزز قدرتها على “مراقبة طرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر” ويؤكد حضورها كقوة عالمية فاعلة في القرن الأفريقي.
وبذلك، يتحول السودان من دولة تتلقى الدعم إلى شريك استراتيجي حقيقي في معادلة التوازن الدولي. إن توسيع الشراكة بين السودان وروسيا ليس ترفاً دبلوماسياً، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها المرحلة الراهنة. ففي وقت تحاول فيه بعض القوى الدولية فرض وصايتها على السودان وإخضاعه لأجندات خارجية، تقدم روسيا نموذجاً مختلفاً يقوم على الاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي دعم بلاده الثابت “لسيادة السودان واحترام وحدته الترابية”، مشدداً على أن روسيا لن تتردد في منع أي محاولات للتدخل في الشأن السوداني ورفضها القاطع لتكوين أي كيانات موازية تهدد وحدة البلاد. هذا الموقف الثابت هو ما يحتاجه السودان في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه.



