
بقلم الدكتور أحمد عبد الله إسماعيل
ليست مأساة السودان الراهنة نتاجاً للحرب وحدها، كما أن أزمتها لا يمكن اختزالها في البعد العسكري أو الإنساني. فخلف المشهد الأكثر وضوحاً، هناك أزمة أعمق تتصل بكيفية إدارة الدولة لعلاقاتها الخارجية، وبالطريقة التي تعاملت بها النخب السياسية المتعاقبة مع موقع السودان في الإقليم والنظام الدولي. وحين تتحول السياسة الخارجية من أداة لحماية المصالح الوطنية إلى وسيلة لحماية السلطة أو الدخول في محاور الصراع، فإن الدولة لا تعود لاعباً مستقلاً على رقعة الشطرنج الدولية، بل تتحول تدريجياً إلى مساحة تتنافس فوقها مصالح الآخرين.
وفي هذا السياق، تبدو التجربة المصرية جديرة بالتأمل، لا باعتبارها نموذجاً كاملاً أو تجربة خالية من الحسابات السياسية، وإنما باعتبارها مثالاً إقليمياً على أهمية الحفاظ على هامش واسع من الحركة الدبلوماسية، وإدارة العلاقات مع القوى المختلفة وفق اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الوطنية، وتجنب تحويل الدولة إلى طرف دائم في صراعات لا تخدم مصالح شعبها المباشرة.
لقد استطاعت مصر، على مدى عقود، أن تحافظ على قنوات اتصال وعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع أطراف متباينة في المنطقة والعالم، وأن تتعامل مع الاختلافات الدولية بمنطق الدولة التي تدرك أن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الصداقة الشخصية أو العداء الدائم، وإنما بمنطق المصالح المتبادلة وحسابات الأمن والاستقرار والقدرة على إدارة التناقضات.
وهنا تكمن واحدة من أهم الدروس التي يحتاج السودان إلى استيعابها: الدبلوماسية الناجحة ليست أن تختار الدولة معسكراً دائماً، وإنما أن تحافظ على قدرتها على الحركة بين المعسكرات دون أن تفقد بوصلتها الوطنية.
فالدول لا تملك أصدقاء دائمين بالمعنى السياسي المجرد، كما أنها لا ينبغي أن تبني سياستها الخارجية على عداوات أبدية. ما يدوم هو المصلحة الوطنية، وما يحمي الدولة هو قدرتها على تنويع شراكاتها، وتعدد خياراتها، واستقلال قرارها، والاحتفاظ دائماً بمساحة للمناورة السياسية والدبلوماسية.
لقد دفع السودان، خلال مراحل مختلفة من تاريخه الحديث، ثمناً باهظاً نتيجة التداخل بين الحسابات الداخلية والصراعات الإقليمية. ودخلت الدولة في تحالفات ومواقف ومواجهات تجاوزت في أحيان كثيرة حدود مصالحها المباشرة، وشاركت في صراعات إقليمية لم يكن المواطن السوداني هو من اختارها، ولم يكن هو من يملك قرار استمرارها أو إنهائها.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس سؤالاً تاريخياً بهدف المحاكمة، وإنما سؤال استراتيجي بهدف التعلم: هل خدمت تلك الخيارات المصالح طويلة المدى للدولة السودانية؟
إن المشهد الراهن يفرض مراجعة جادة. فالسودان يواجه حرباً مدمرة، ونزوحاً ولجوءاً واسع النطاق، وانهياراً في قطاعات حيوية، وتراجعاً اقتصادياً واجتماعياً عميقاً. وفي الوقت ذاته، أصبح السودان مسرحاً لتقاطعات إقليمية ودولية معقدة، الأمر الذي يجعل إعادة تعريف علاقاته الخارجية جزءاً لا يتجزأ من مشروع الخروج من الحرب وإعادة بناء الدولة.
وهنا ينبغي أن تكون نقطة البداية واضحة: السودان ليس بحاجة إلى استبدال محور بمحور آخر. السودان بحاجة إلى الخروج من منطق المحاور نفسه.
فالسياسة الخارجية التي تقوم على الارتهان لطرف واحد تضعف الدولة مهما كانت قوة ذلك الطرف. والحماية التي تُشترى بالتنازل عن القرار الوطني ليست حماية مستدامة، والتحالف الذي يتحول إلى التزام مفتوح بالمشاركة في صراعات الآخرين قد يصبح، مع مرور الوقت، عبئاً على الدولة بدلاً من أن يكون مصدر قوة لها.
إن مفهوم السيادة في القانون الدولي لا يعني العزلة، كما أن الاستقلال لا يعني رفض التعاون الدولي. على العكس، الدولة ذات السيادة هي التي تستطيع أن تتعاون مع الآخرين وهي محتفظة بقدرتها على اتخاذ قرارها المستقل، وأن تدخل في الشراكات وهي قادرة على مراجعتها، وأن تقبل الدعم دون أن تتحول إلى تابع سياسي، وأن تطلب الوساطة حين تكون الوساطة مفيدة دون أن تجعل من الوساطة بديلاً دائماً عن قدرتها الدبلوماسية.
ومن هنا، فإن السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس مفهوم علاقاته الخارجية على ثلاثة مبادئ مترابطة: السيادة، والندية، والمصلحة المتبادلة.
السيادة تعني أن القرار السوداني يجب أن يصدر من مؤسسات الدولة ومصالح الشعب السوداني، لا من حسابات القوى الخارجية. والندية تعني أن العلاقة مع أي دولة، مهما كانت قوتها السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل لا على التبعية. أما المصلحة المتبادلة فتعني أن العلاقات الخارجية يجب أن تنتج قيمة حقيقية للسودان: أمناً، واستثماراً، وتنمية، وتجارة، ونقلاً للتكنولوجيا، ودعماً لإعادة الإعمار، وحضوراً سياسياً يحمي المصالح الوطنية.
ومن الخطأ أيضاً أن تستمر الدبلوماسية السودانية في التعامل مع العالم من خلال لغة سياسية عاطفية تختزل العلاقات الدولية في مفردات “الأشقاء” و”الأصدقاء” و”الحلفاء”. هذه المفردات يمكن أن تكون جزءاً من الخطاب الدبلوماسي، لكنها لا تصلح أساساً لإدارة مصالح دولة.
فالدبلوماسية الحديثة أكثر تعقيداً من ذلك. الدولة قد تكون شريكة مع دولة في ملف، ومختلفة معها في ملف آخر، ومتعاونة مع منافسها في ملف ثالث. وهذا ليس تناقضاً، بل هو جوهر العلاقات الدولية الواقعية التي تقوم على إدارة المصالح المتقاطعة.
ولهذا لا ينبغي للسودان أن ينظر إلى علاقاته مع القوى الكبرى باعتبارها خيارات صفرية: إما الشرق أو الغرب، إما العالم العربي أو أفريقيا، إما هذه الدولة أو تلك. السودان يمتلك موقعاً جغرافياً وتاريخياً واستراتيجياً يسمح له بأن يكون جسراً بين دوائر متعددة، لا تابعاً لأي دائرة منها.
فالسودان دولة أفريقية وعربية في آن واحد، ودولة مطلة على البحر الأحمر، وجزء من منظومة وادي النيل، وجار لمنطقة القرن الأفريقي والساحل، ويمتلك موارد طبيعية وزراعية وبشرية تؤهله ليكون شريكاً اقتصادياً مهماً. هذه الجغرافيا ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، وإنما أصل استراتيجي ينبغي تحويله إلى قوة تفاوضية.
ومن هذا المنظور، فإن المطلوب ليس البحث عن دولة “تحمي السودان”، بل بناء شبكة علاقات تجعل استقرار السودان مصلحة مشتركة لعدد كبير من الدول. وليس المطلوب أن يتحدث الآخرون نيابة عن السودان، بل أن يمتلك السودان من الكفاءة المؤسسية والدبلوماسية ما يمكنه من مخاطبة واشنطن وبروكسل وبكين وموسكو وأنقرة والقاهرة والرياض وأبوظبي وأديس أبابا ونيروبي وغيرها من العواصم مباشرة، وبخطاب يستند إلى المصالح والقانون الدولي، لا إلى طلب الرعاية السياسية.
كما أن استقلال القرار الخارجي لا يمكن فصله عن بناء الدولة من الداخل. فلا توجد دبلوماسية قوية من دون مؤسسات قوية، ولا سياسة خارجية مستقلة من دون اقتصاد قادر على الصمود، ولا سيادة حقيقية من دون جيش ومؤسسات أمنية تعمل في إطار الدولة والقانون، ولا قدرة تفاوضية من دون مؤسسات مدنية وسياسية تتمتع بالشرعية والقدرة على تمثيل الإرادة الوطنية.
ولهذا فإن إعادة بناء السياسة الخارجية ينبغي أن تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية نفسها.
والدرس الأهم الذي ينبغي أن تستخلصه الخرطوم من تجارب المنطقة والعالم هو أن الدولة لا تحمي نفسها بكثرة التحالفات، وإنما بتعدد الخيارات. كلما امتلك السودان خيارات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وأمنية متعددة، أصبح أقل قابلية للابتزاز وأكثر قدرة على حماية مصالحه.
وفي المرحلة المقبلة، ينبغي أن تنتقل السياسة الخارجية السودانية من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات؛ من انتظار الوسطاء إلى بناء قنوات تفاوض مباشرة؛ من رد الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي؛ ومن العلاقات القائمة على الولاءات السياسية إلى شراكات مؤسسية قابلة للقياس والمراجعة والمساءلة.
ويجب كذلك أن يكون واضحاً أن السودان لا ينبغي أن يكون قاعدة أو منصة لصراعات الآخرين، ولا أن يسمح باستخدام موارده أو أراضيه أو مؤسساته لخدمة حروب خارج حدوده. فالنأي بالدولة عن النزاعات الإقليمية التي لا تخدم أمنها القومي ليس ضعفاً ولا حياداً سلبياً، وإنما يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً لحماية الدولة والمجتمع ومنع استنزافهما.
إن السودان الذي نحتاج إلى بنائه بعد الحرب ليس السودان الذي يبحث عن راعٍ دولي جديد، ولا السودان الذي ينتقل من تبعية إلى تبعية، وإنما السودان الذي يستطيع أن يتعامل مع جميع القوى من موقع الدولة ذات السيادة.
سودان يتعاون مع مصر دون أن يكون تابعاً لها، ويتعامل مع دول الخليج دون أن يرهن قراره لها، ويبني شراكات مع أوروبا والولايات المتحدة دون أن يتخلى عن استقلاله، ويحافظ على علاقاته مع الصين وروسيا والهند وتركيا وغيرها دون أن يتحول إلى جزء من صراعات القوى الكبرى، ويؤسس علاقاته مع جواره الأفريقي على الأمن المشترك والتنمية والتكامل، لا على التنافس والصراع.
هذه ليست سياسة عداء لأحد، بل سياسة احترام للجميع يبدأ باحترام الذات الوطنية.
لقد أظهرت الحرب السودانية أن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة هو أن تجعل أمنها مرتبطاً بحسابات الآخرين، وأن تعتبر بقاء السلطة هدفاً يتقدم على بقاء الدولة. فالسلطة تتغير، أما الدولة فتبقى، والشراكات السياسية تتبدل، أما مصالح الشعوب فلا ينبغي أن تكون قابلة للمساومة.
ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية أمام السودان بعد الحرب لن تكون فقط إعادة بناء المدن والبنية التحتية والاقتصاد، وإنما إعادة بناء العقل الاستراتيجي للدولة.
نحن بحاجة إلى دبلوماسية سودانية جديدة لا تنحني أمام القوى الكبرى ولا تستفزها، لا تعادي الجيران ولا ترهن نفسها لهم، لا تغلق أبوابها أمام العالم ولا تفتحها بلا شروط، ولا تبحث عن حماية مؤقتة على حساب استقلال طويل الأمد.
إنها دبلوماسية تعرف أن العالم لا يُدار بالعواطف، وأن الاحترام الدولي لا يُمنح للدول التي تكثر من الشكوى، وإنما للدول التي تعرف مصالحها، وتدافع عنها، وتلتزم بالقانون الدولي، وتحسن إدارة اختلافاتها، وتبني شراكاتها من موقع الندية.
لقد حان الوقت لأن يتوقف السودان عن لعب دور القطعة على رقعة الشطرنج، وأن يبدأ في بناء القدرة على أن يكون لاعباً يعرف قواعد اللعبة ومصالحه وحدود حركته.
فالمستقبل لن يكون للدولة التي تبحث عمن يحميها، وإنما للدولة التي تجعل من مصلحتها الوطنية أساساً لعلاقاتها مع الجميع. والسودان، إذا أراد أن يخرج من دائرة الحرب والتبعية إلى دائرة السلام والاستقرار، فعليه أن يستعيد أولاً ما هو أعمق من الأرض والموارد: أن يستعيد استقلال قراره الوطني.



