
في مقالنا السابق «ما وراء الفيتو»، حاولنا قراءة المصالح التي تقف خلف لحظة الاعتراض في مجلس الأمن. هذه المرة تبدو القصة مختلفة؛ لم يقع فيتو أصلاً، لكن ما حدث قبل التصويت ربما يكون أهم من التصويت نفسه، لأن المشروع الذي بدأت به المفاوضات لم يكن هو النص الذي انتهى أمام أعضاء المجلس. ففي الحادي عشر من سبتمبر صوّت مجلس الأمن بالإجماع على السودان: خمسة عشر صوتاً، لا فيتو ولا امتناع. ومن ينظر إلى النتيجة وحدها قد يظن أن المجلس توصل إلى توافق نادر، لكن خلف هذا الإجماع كانت هناك معركة تفاوضية انتهت بتمديد تقني لشهر واحد بدلاً من حسم الخلاف حول المقترح الأمريكي بتوسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان. وهنا، في تقديري، توجد القصة الحقيقية: ماذا حدث للمشروع بين المسودة الأولى وشاشة التصويت؟
قانونياً، يحتاج القرار الموضوعي في مجلس الأمن إلى تسعة أصوات مؤيدة وألا يصوت أي عضو دائم ضده، لكن التصويت ليس سوى المرحلة الأخيرة. قبله توجد المسودة والمشاورات والتعديلات وإجراء الصمت الذي يمكن كسره، ثم يبدأ الحساب: هل توجد تسعة أصوات؟ وهل هناك عضو دائم مستعد لاستخدام الفيتو؟ الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في ملف عقوبات السودان، ناقشت مشروعها أولاً مع بقية الدول دائمة العضوية، ثم وزعته على أعضاء المجلس الخمسة عشر في 13 أغسطس. وبعد ذلك مر النص عبر ثلاث مسودات منقحة، وجولتين من المفاوضات، وكسرين لإجراء الصمت. ومع اتساع الخلاف، وزعت واشنطن في 9 سبتمبر مشروع تمديد تقني لمدة شهر. وفي اليوم التالي دخل النص إجراء الصمت، ومُددت المهلة من الواحدة إلى الثالثة بعد الظهر، ثم مر من دون اعتراض ووُضع «بالأزرق»، أي أصبح جاهزاً للتصويت.
هذه ليست مجرد تفاصيل إجرائية. ففي مجلس الأمن، تكشف حركة المسودة أحياناً أكثر مما تكشفه الأيدي المرفوعة في القاعة. مشروع بدأ بمحاولة إدخال تغييرات جوهرية على نظام العقوبات انتهى إلى تمديد قصير للنظام نفسه. والسؤال ليس فقط من أيد ومن عارض، وإنما: ما الذي تغير حتى أصبح الإجماع ممكناً؟ هنا يظهر ما أسميه «ظل الفيتو». وهو ليس فيتو بالمعنى القانوني؛ روسيا لم تستخدمه، والصين لم تستخدمه. المقصود هو أن تصبح الخطوط الحمراء لعضو دائم واضحة بما يكفي لتدخل في حسابات حامل القلم قبل الوصول أصلاً إلى مواجهة في قاعة المجلس.
من دارفور إلى معركة تعريف الحرب
نظام العقوبات الحالي صُمم في سياق أزمة دارفور، ولذلك ظل حظر السلاح مرتبطاً بالإقليم. لكن الحرب الحالية تجاوزت تلك الجغرافيا، وأصبحت المسيّرات ومسارات الإمداد والتمويل وحركة السلاح والمقاتلين عبر الحدود جزءاً من حرب أوسع. ومن هنا يمكن فهم السقف الذي بدأت به واشنطن؛ فالمسودة الأمريكية لم تكن مجرد تجديد للعقوبات، وإنما سعت إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وإلى توضيح القيود المتعلقة بالمسيّرات وأنظمتها وبعض المكونات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب تعزيز فريق الخبراء وتعاونه مع فرق خبراء أخرى في المنطقة. كما توسعت معايير الإدراج المقترحة لتشمل استهداف المدنيين، والخطف للحصول على فدية عندما يوفر مورداً للجماعات المسلحة، وعرقلة المساعدات الإنسانية والاعتداء على العاملين والمنشآت الإنسانية والطبية، وظهرت أيضاً لغة تتعلق بالمرتزقة والدعم العسكري والمالي واللوجستي. أي أن واشنطن لم تكن تريد توسيع الخريطة فقط، بل أيضاً دائرة الأشخاص والسلوك والشبكات التي يمكن أن تصل إليها العقوبات.
لكن توسيع الحظر إلى كامل السودان فتح سؤالاً أكثر حساسية: ما موقع القوات المسلحة الرسمية للدولة داخل هذا النظام؟ وهل تصبح، بحكم الجغرافيا، في الإطار نفسه الذي توجد فيه قوة مسلحة من غير الدولة؟ هذه النقطة تساعد على فهم موقف الدول الأفريقية الثلاث في المجلس: الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال. فقد عارضت، إلى جانب روسيا والصين وباكستان، توسيع العقوبات خارج دارفور. وفي المسودة الثالثة المنقحة كسر أعضاء A3 وباكستان إجراء الصمت، واقترح الأفارقة استبدال إشارات مثل «الأطراف المتحاربة» و«جميع الأطراف» بصياغة تركز على «الجهات المسلحة من غير الدول»، بما فيها قوات الدعم السريع، مع تأكيد أن التدابير ليست موجهة ضد السلطات السودانية. وهذه ليست معركة لغوية فقط؛ فالجيش السوداني هو القوات المسلحة الرسمية للدولة السودانية، وصفته المؤسسية والقانونية ليست مماثلة لصفة قوة مسلحة من غير الدولة. وفي الوقت نفسه، لا تمنح هذه الصفة الأفراد حصانة من المساءلة إذا انطبقت عليهم معايير العقوبات. صفة المؤسسة شيء، ومسؤولية الأفراد عن السلوك شيء آخر.
أما بين الدول الخمس دائمة العضوية، فقد ناقشت واشنطن المشروع معها قبل توزيعه على بقية أعضاء المجلس. ومع انتقال النص إلى مرحلة التفاوض، اتضحت خطوط الخلاف بصورة أكبر؛ تمسكت روسيا والصين بتجديد النظام القائم ورفضتا توسيعه جغرافياً، وأبدتا تحفظات على التركيز على المسيّرات ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج، بينما كانت بريطانيا وفرنسا أقرب إلى الاتجاه الأمريكي. ومع ذلك، فإن تصوير المعركة باعتبارها ثلاثة أعضاء دائمين في مواجهة اثنين لا يشرح ما حدث بالكامل، لأن هناك رقماً آخر مهماً في مجلس الأمن: تسعة. أي مشروع موضوعي يحتاج إلى تسعة أصوات، وعندما تلتقي روسيا والصين مع ثلاثة أعضاء أفارقة وباكستان في رفض عنصر مركزي من المشروع، يصبح حامل القلم أمام مشكلتين: هل يستطيع جمع التسعة؟ وإذا استطاع، هل يستطيع تمرير النص من دون اعتراض عضو دائم؟
لذلك فإن القول إن «روسيا منعت القرار» لا يروي القصة كاملة. كانت هناك اعتراضات متقاطعة، وانتهت الجولة بحل مؤقت هو التمديد التقني لمدة شهر. الإجماع الذي ظهر أمام الكاميرات كان حقيقياً، لكنه لم يكن إجماعاً على المشروع الذي بدأت به واشنطن؛ كان اتفاقاً على تأجيل الخلاف. وهنا يصبح السؤال الأكثر إثارة: ليس كيف صوّتت روسيا، بل ماذا اختفى من المشروع حتى استطاعت أن تصوّت معه؟
إذا ثبت أن توسيع الحظر إلى كامل السودان يصطدم بسقف سياسي مرتفع، تستطيع واشنطن تغيير زاوية الاقتراب. بدلاً من التركيز فقط على المكان الذي يُمنع فيه السلاح، يمكنها التركيز بصورة أكبر على الأشخاص والشبكات التي تجعل وصوله ممكناً. فالسلاح لا يصل إلى الميدان وحده؛ هناك من يشتريه ويموله ويوفره، وهناك وسطاء وشركات ومسارات نقل ونقاط عبور. وهنا يصبح فريق الخبراء أكثر أهمية، لأن المعلومات التي يجمعها يمكن أن تساعد لجنة العقوبات والمجلس في تحديد الأشخاص والكيانات والشبكات المرتبطة بالانتهاكات أو بتدفقات السلاح والتمويل.
وقد ظهر مثال على هذا الاتجاه في 28 أبريل، عندما أُضيف أربعة أفراد إلى قائمة عقوبات السودان، بينهم القوني حمدان دقلو، مسؤول المشتريات في قوات الدعم السريع وشقيق قائدها محمد حمدان دقلو، وثلاثة كولومبيين ارتبطت أسماؤهم بتسهيل العمليات العسكرية للدعم السريع. المهم هنا ليس الأسماء وحدها، بل منطق الاستهداف: الوصول إلى من يساعد على توفير القدرة على مواصلة القتال، وليس فقط إلى من يظهر في الميدان. ومن هنا أرى مساحة محتملة للتسوية في الجولة المقبلة؛ فقد تتراجع فكرة توسيع الحظر إلى كامل السودان مقابل تشديد أكبر على شبكات المشتريات والتمويل والمرتزقة والمسيّرات، وربما توسيع معايير الإدراج وتعزيز عمل فريق الخبراء. هذه ليست معلومة عن صفقة تم الاتفاق عليها، بل قراءة لمواقع الأطراف بعد جولة سبتمبر. وإذا حدث ذلك، فسنكون أمام نظام أقل اتساعاً في الخريطة، وأكثر عمقاً في ملاحقة الشبكات.
بعد التصويت.. راقبوا ما يُحذف
التصويت لم ينه الخلاف؛ لقد منحه شهراً آخر. ولهذا، عندما تظهر المسودة الأمريكية المقبلة، سأبحث أولاً عما اختفى منها قبل أن أبحث عما أضيف إليها. فإذا اختفى اقتراح الحظر الشامل وبقيت المواد المتعلقة بالمسيّرات والمرتزقة والتمويل والمشتريات وشبكات الإمداد وتعزيز فريق الخبراء، فستكون هذه إشارة إلى اتجاه التسوية: تنازل في الجغرافيا مقابل تشدد أكبر في استهداف الشبكات. أما إذا عاد الحظر الشامل، فمعنى ذلك أن واشنطن ما زالت مستعدة لاختبار الخط الأحمر الروسي والصيني، وعندها قد تنتقل المسألة من تأثير الفيتو قبل التصويت إلى احتمال استخدامه فعلاً. وإذا بقيت الفجوة بين المواقف واسعة، ولم يرغب أعضاء المجلس في المخاطرة بانتهاء نظام العقوبات، فقد يصبح تمديد تقني جديد هو المخرج الأقل كلفة، بما يعني تأجيل المواجهة مرة أخرى بدلاً من حسمها.
وهناك عامل آخر لا تتحكم فيه نيويورك: الميدان السوداني. تغير عسكري كبير، أو هجوم واسع على المدنيين، أو تطور نوعي في استخدام المسيّرات، أو معلومات موثوقة جديدة بشأن المرتزقة ومسارات السلاح والتمويل، قد تغير حسابات أعضاء المجلس. ولذلك فإن الأسابيع المقبلة ليست مجرد مهلة دبلوماسية، بل سباق بين تطورات الميدان وما سيكتب في المسودة الجديدة. وبعد تصويت 11 سبتمبر، لم يعد السؤال ما إذا كانت روسيا ستستخدم الفيتو على المشروع الذي كان مطروحاً؛ الجولة انتهت وروسيا لم تستخدمه. السؤال الآن هو: هل تستطيع واشنطن كتابة نص يجعل موسكو لا تحتاج إلى استخدامه؟
وهنا نعود إلى «ظل الفيتو». الفيتو القانوني نراه عندما يصوت عضو دائم ضد مشروع قرار، لكن تأثير القوة التي يمنحها الفيتو قد يبدأ قبل ذلك: في المشاورات، وفي تعديل الفقرات، وفي إجراء صمت يُكسر، وفي حساب الأصوات التسعة، وفي جملة كانت موجودة في مسودة ثم لا نجدها في المسودة التالية. ولهذا فإن أهم ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر ربما لم يكن التصويت بالإجماع نفسه، بل أن المشروع المختلف عليه لم يصل إلى القاعة بالصورة التي بدأت بها المفاوضات. الفيتو العلني يسقط قراراً يراه الجميع، أما ظله فقد يغير قراراً لا يعرف الجمهور أصلاً كيف كانت تبدو نسخته الأولى.
وقد لا تكون المعركة المقبلة على البندقية وحدها، بل على من دفع ثمنها، ومن اشتراها، ومن نقلها، والطريق الذي عبرت منه، والجهة التي جعلت وصولها ممكناً. وهناك، بين المسودة الأولى وشاشة التصويت، كُتبت القصة التي لم تظهر أبداً في نتيجة الخامس عشر مقابل صفر



