أخر الأخبار

دعاش الخير – محمد حسن كبوشية – الخرطوم تستعيد صوتها… فهل يستعيد الإعلام عافيته؟

لم يكن انعقاد ملتقى الإعلاميين السودانيين في الخرطوم حدثاً عابراً ولا مجرد اجتماع مهني جمع الصحفيين والإعلاميين بعد سنوات الحرب القاسية فقد حمل المكان قبل الكلمات رسالة واضحة بأن الخرطوم التي حاولت الحرب إسكات صوتها وإطفاء منابرها قد بدأت تستعيد حضورها ودورها باعتبارها عاصمة البلاد ومركز قرارها السياسي والإعلامي وعودة الإعلاميين إلى الخرطوم مهمة، ولكن الأهم أن يعود الإعلام نفسه ان تعود الصحف إلى الصدور، والإذاعات والقنوات إلى البث، والمؤسسات إلى مقارها والصحفيين إلى ممارسة مهنتهم في بيئة آمنة، تتوفر فيها المعلومة وتُحترم فيها حرية الرأي والنقد والمساءلة.

لقد دفعت الصحافة السودانية ثمناً باهظاً خلال الحرب … نعم … دمرت المؤسسات وتوقفت المطابع، وفقد كثير من الصحفيين أرواحهم و أعمالهم ومصادر دخلهم واضطر اخرين إلى النزوح أو مغادرة البلاد بينما واصل بعضهم أداء رسالته من خارج السودان وبإمكانات محدودة وسط مخاطر أمنية واقتصادية ومهنية بالغة التعقيد وبالرغم عن ذلك ظل الإعلام السوداني حاضراً ومدافعاً عن الوطن ووحدة البلاد، وكاشفاً للانتهاكات، ومواجهاً لحملات التضليل والأخبار الكاذبة التي حاولت تشويه الحقائق وضرب تماسك المجتمع السوداني وأخرها ( كيماوي تسابيح) ،ولذلك فإن تكريم الإعلاميين الحقيقي لا يكون بالإشادة وحدها وإنما بإعادة بناء مؤسساتهم، وتحسين أوضاعهم وتوفير الحماية والتأمين الصحي لهم وتعويض المتضررين منهم وتهيئة البيئة القانونية والمهنية التي تمكن الصحافة من أداء دورها بحرية ومسؤولية.

ولقد استوقفني حديث وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر عن أن الدولة لا تريد صحافة ترضي السلطة ، ولا صحافة تجعل معارضة السلطة غاية في ذاتها، وإنما صحافة تنحاز إلى الحقيقة والمصلحة العامة، وتحتفظ بحقها في السؤال والنقد والمساءلة ولعمري هو المدخل الصحيح لبناء علاقة جديدة بين الدولة والإعلام ، علاقة لا تقوم على الوصاية ولا على الخصومة، وإنما على الشراكة واحترام الأدوار فالصحفي الحقيقي ليس موظف علاقات عامة لدى الحكومة، كما أنه ليس خصماً دائماً لها مهمته أن يبحث عن الحقيقة، ويراقب الأداء، ويكشف القصور، ويدافع عن مصالح الناس، ويمنح المسؤول حق الرد والتوضيح ولكن هذه الصحافة التي نريدها لا يمكن أن تنمو في ظل غياب المعلومات أو احتكارها فلا معنى للحديث عن صحافة مهنية إذا ظلت أبواب المسؤولين مغلقة، وإذا أصبحت المعلومة منحة يقدمها المسؤول لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء ، لذلك فإن الخطوة الأولى لإصلاح الإعلام هي إقرار الحق في الحصول على المعلومات، وتعيين متحدثين رسميين قادرين على التواصل، وإنهاء ظاهرة تضارب التصريحات، وفتح مؤسسات الدولة أمام الصحافة، لأن الشائعات تنتشر حين تغيب المعلومة الصحيحة.

وأنا لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، بالإعلاميين المشاركين في الملتقى فقد منح المناسبة ثقلاً سياسياً كبيراً، وأتاح للصحفيين الاستماع مباشرة إلى رؤية قيادة الدولة بشأن الحرب والحوار ومستقبل الحكم في السودان فتحدث البرهان عن التزام الدولة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي تخدم مصالح الشعب، وأكد أن الحوار شأن القوى السياسية والمدنية وأن المؤسسة العسكرية ليست طرفاً فيه كما شدد على أنه لن يُسمح لأي جهة بتحقيق مكاسب سياسية عن طريق حمل السلاح، وأن السودان بعد الحرب يجب أن يكون دولة واحدة وجيشاً واحداً، لا مكان فيها للمليشيات وهذه رسائل مهمة، ولكن قيمة أي رسالة سياسية لا تُقاس بقوة الكلمات وحدها، بل بقدرتها على التحول إلى واقع فالسودانيون يريدون دولة تقوم على القانون والعدالة والمساواة، وتحفظ كرامة المواطن، وتمنع استخدام السلاح للوصول إلى السلطة، وتفتح الطريق أمام توافق وطني حقيقي يقود إلى حكم مدني مستقر وانتخابات حرة ولا ينبغي ان يكون لقاء الرئيس بالإعلاميين مجرد مناسبة استثنائية مرتبطة بملتقى أو ظرف سياسي و ( صور تذكارية ) وإنما بداية لعلاقة منتظمة ومباشرة بين قيادة الدولة والصحافة فالبلاد تمر بمرحلة لا تحتمل غياب المعلومة ومن حق الشعب أن يعرف ما يجري من مصادره الوطنية وأن تُطرح الأسئلة الصعبة على المسؤولين، وأن تُناقش القرارات والسياسات بشفافية ومن الضروري كذلك ألا يتحول الحديث عن توحيد الخطاب الإعلامي إلى توحيد الآراء أو مصادرة الاختلاف. يمكن للإعلام الوطني أن يتفق على حماية وحدة السودان وسيادته ورفض خطاب الكراهية والتضليل، ولكنه يظل متنوعاً في رؤاه ومواقفه وانتقاداته.

ان الوطنية لا تعني الصمت عن الأخطاء، والنقد لا يعني الخيانة. بل إن كشف الخلل قبل استفحاله يمثل واحدة من أعظم الخدمات التي يمكن أن تقدمها الصحافة للدولة والمجتمع، و ما يمكن قوله ان الملتقي نجح في جمع الإعلاميين داخل الخرطوم واستمع إلى كلمات مهمة وتعهدات واضحة لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انفضاض الجلسات فهل ستتحول التوصيات إلى برنامج تنفيذي؟ وهل ستعود الصحف والمطابع؟ وهل ستُعالج أوضاع الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم؟ وهل ستُفتح أبواب المعلومات؟ وهل ستقبل السلطة بالنقد حين ينتقل من الكلمات العامة إلى ملفات الأداء والفساد والاقتصاد والخدمات؟

اخر الدعاش:

عودة الخرطوم إلى احتضان الإعلاميين خطوة تبعث الأمل ولقاء البرهان بهم خطوة تعزز التواصل، ولكن الطريق ما يزال طويلاً فالبلاد التي تريد أن تنهض تحتاج إلى إعلام حر ومسؤول، يقول للحكومة أحسنت عندما تحسن، ويقول لها أخطأت عندما تخطئ وتلك هي الصحافة التي تحمي الدولة… ولا تخشاها الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى