أخر الأخبار

السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الفشل… بل إلى تأسيس دولة جديدة

بقلم: د. أحمد عبد الله إسماعيل

يمر السودان بلحظة تاريخية لا تحتمل المزيد من المناورات السياسية ولا تسمح بإعادة إنتاج الأدوات التي قادت البلاد إلى ما هي عليه اليوم. فالسودان ليس بحاجة إلى حوار جديد بالمعنى التقليدي الذي عرفته الحياة السياسية السودانية طوال العقود الماضية؛ حوار تجتمع حوله القوى ذاتها، وتُعاد فيه صياغة التوازنات القديمة، وتُنتج عنه اتفاقات مؤقتة سرعان ما تتحول إلى صراع جديد على السلطة، ثم إلى انقلاب أو حرب، ثم يعود الجميع مرة أخرى إلى طاولة حوار جديدة، وكأن البلاد محكوم عليها بأن تدور إلى ما لا نهاية داخل الحلقة نفسها. السودان بحاجة إلى شيء أكثر عمقاً وأكثر شجاعة: بحاجة إلى مشروع وطني تاريخي يعيد تأسيس الدولة، ويعيد بناء العلاقة بين المواطن ومؤسساتها، ويعيد تعريف السياسة نفسها بوصفها وسيلة لخدمة المجتمع لا طريقاً للاستحواذ على الدولة.

لقد أثبت التاريخ السوداني الحديث أن أزمة البلاد لم تكن في غياب الحوارات، وإنما في غياب الإرادة لبناء دولة تتجاوز مصالح القوى المتنافسة عليها. فقد تحولت الدولة، في مراحل عديدة، من مؤسسة جامعة لكل السودانيين إلى مجال للتنافس على النفوذ والموارد والسلطة، وأصبحت بعض القوى السياسية والاجتماعية تتعامل معها باعتبارها أداة للتمكين أكثر من كونها ملكاً عاماً للمواطنين. وبدلاً من أن تكون المؤسسات الوطنية فوق الصراعات، جرى في كثير من الأحيان توظيفها داخل الصراعات، حتى أصبح الوصول إلى السلطة هدفاً في ذاته، بينما تراجع مشروع بناء الدولة إلى الهامش.

ومن هنا فإن إعادة استدعاء المنظومة السياسية ذاتها، والأشخاص ذاتهم، والآليات ذاتها، ثم انتظار نتائج مختلفة، ليست إصلاحاً سياسياً؛ إنها إعادة تدوير للأزمة. وليس من المقبول وطنياً أو أخلاقياً أن يُقدَّم بعض الذين شاركوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إدارة الدولة أو صناعة سياساتها خلال العقود الماضية باعتبارهم المرجعية الوحيدة لإصلاحها، من دون مساءلة نقدية جادة لدورهم ومسؤولياتهم. إن من وصل إلى موقع المسؤولية ثم عجز عن بناء مؤسسات الدولة، أو ساهم في تعميق الانقسام، أو قبل بتحويل السياسة إلى صراع على المواقع، لا يمكن أن يكون تلقائياً صاحب التفويض الأخلاقي لقيادة مشروع الإصلاح، لمجرد أنه رفع اليوم شعار الإصلاح. إن السودان يحتاج إلى الاعتراف بالحقيقة قبل البحث عن الحل، وإلى شجاعة تسمية أسباب الفشل بدلاً من إخفائها خلف لغة سياسية جديدة.

ولذلك فإن القضية الأساسية ليست: من سيشارك في الحوار؟ وإنما: ما طبيعة الدولة التي نريد أن ينتجها هذا الحوار؟ فإذا كان الهدف هو إنتاج اتفاق آخر بين النخب المتنافسة، فإن السودان لا يحتاج إليه. أما إذا كان الهدف هو تأسيس عقد وطني جديد، يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة والقانون والديمقراطية والمساواة، فإن الحوار يصبح ضرورة تاريخية، ولكن بشرط أن يتغير مفهومه وأطرافه ومنهجه ونتائجه.

إن أي حوار وطني جاد يجب أن يبدأ من المواطن الذي دفع ثمن الأزمة، لا من القوى التي تنافست على إنتاجها أو الاستفادة منها. يجب أن يبدأ من ملايين السودانيين الذين شُردوا من ديارهم، ومن اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم خارج وطنهم، ومن النازحين الذين يعيشون في ظروف قاسية، ومن المدنيين الذين عاشوا الخوف والفقد والجوع، ومن الشباب الذين تحولت أعمارهم إلى سنوات من الحرب والانتظار، ومن النساء والأطفال الذين تحملوا العبء الأكبر من الكارثة الإنسانية، ومن المهنيين والنقابات والأكاديميين والمجتمع المدني وأصحاب المصلحة الحقيقيين الذين ظل صوتهم في كثير من الأحيان أقل حضوراً من صوت أصحاب النفوذ والسلاح.

هؤلاء ليسوا مجرد ضيوف ينبغي دعوتهم لإكمال صورة مؤتمر سياسي؛ هؤلاء هم أصحاب الحق الأصيل في تحديد مستقبل السودان.

إن الحوار الذي يُعقد بعيداً عنهم، أو يضعهم في الصفوف الخلفية بينما تتصدر المشهد القوى السياسية والعسكرية والقبلية والطائفية وأصحاب المصالح المتنافسة على السلطة، لا يمكن أن يكون حواراً وطنياً بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالوطن ليس مجموعة أحزاب، وليس مجموعة حركات مسلحة، وليس مجموعة قيادات قبلية، وليس مجموعة نخب تتبادل المواقع بين الحكومة والمعارضة. الوطن هو المجتمع بكل مكوناته، والدولة هي الإطار الذي يجب أن يحمي الجميع لا أن يصبح جائزة يتنافس عليها البعض.

ومن المؤسف أن السودان شهد خلال عقود طويلة نمطاً سياسياً يقوم على إنتاج الاتفاقات أكثر مما يقوم على إنتاج المؤسسات؛ اتفاقات تُبرم لتقاسم السلطة، ثم تفشل لأنها لم تعالج جذور الأزمة، ثم تُستبدل باتفاقات أخرى، بينما تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابة: كيف نبني دولة واحدة؟ كيف نمنع احتكار السلطة؟ كيف نضع السلاح تحت سلطة الدولة؟ كيف نحمي التنوع؟ كيف نواجه العنصرية وخطاب الكراهية؟ كيف نضمن استقلال القضاء؟ كيف نبني جيشاً وطنياً مهنياً؟ كيف نمنع تأسيس المليشيات؟ كيف نضمن التداول السلمي للسلطة؟ وكيف نجعل المواطن هو المستفيد الأول من الدولة وليس آخر من يصل إليه أثرها؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن يتوجه إليها الحوار، لا عدد المقاعد التي تحصل عليها هذه القوة أو تلك، ولا أسماء المناصب التي ستُمنح لهذه المجموعة أو تلك.

إن السودان لا يحتاج إلى سلام مكتبي تُكتب بنوده في القاعات ثم يُترك المواطن في مواجهة آثار الحرب. السلام الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقية وإنما من معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة. ولا يمكن بناء سلام مستدام في مجتمع يستمر فيه التحريض على أساس العرق أو القبيلة أو المنطقة أو الانتماء السياسي، ولا يمكن لدولة أن تستقر بينما يُنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً يجب إقصاؤه بدلاً من اعتباره جزءاً طبيعياً من المجتمع.

ولهذا فإن الإصلاح الذي يحتاجه السودان يجب أن يكون أوسع من إصلاح سياسي محدود؛ إنه إصلاح في الثقافة السياسية والاجتماعية نفسها. يجب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتقاتل، وكيف نعارض دون أن نخون، وكيف نحكم دون أن نقصي، وكيف ننتقد دون أن نحرض، وكيف نمارس السياسة دون أن نحول الدولة إلى ملكية خاصة. إن السلام يبدأ من الإنسان قبل المؤسسة، ومن طريقة تعامل السوداني مع السوداني قبل أن يبدأ من نصوص الاتفاقيات.

وفي هذا السياق، فإن أي مبادرة للحوار الوطني، بما في ذلك المبادرات التي تنطلق من مؤسسات الدولة، ينبغي ألا تُقاس بجمال اسمها أو بحجم لجانها، وإنما بقدرتها على تجاوز النموذج القديم. تشكيل لجنة للحوار يمكن أن يكون بدايةً إيجابية، ولكن اللجنة لا تصبح تاريخية بمجرد تشكيلها؛ تصبح تاريخية عندما تمتلك القدرة على كسر الدائرة التي أعادت السودان مراراً إلى النقطة نفسها. فإذا كانت تركيبتها تعيد إنتاج القوى نفسها التي ظلت تتناوب على المشهد، وإذا كان معيار المشاركة هو النفوذ السياسي أو العسكري أو القبلي، فإن النتيجة لن تختلف مهما كانت اللغة المستخدمة في تقديم المبادرة.

لقد آن الأوان لأن نمتلك الشجاعة للقول إن السودان لا يستطيع أن يخرج من أزمته بالعقل السياسي الذي أدخله إليها.

إن الأجيال التي حكمت أو شاركت في الحكم أو عارضت لعقود ليست وحدها التي تملك حق تحديد مستقبل البلاد. بل إن من حق الأجيال الجديدة، وخاصة الشباب، أن تكون في مقدمة صناعة المرحلة المقبلة. فالشباب السوداني ليس مجرد فئة انتخابية ولا كتلة اجتماعية يمكن استدعاؤها للتأييد والتصفيق؛ إنه الجيل الذي سيدفع ثمن القرارات التي تُتخذ اليوم لعقود قادمة. ومن غير المنطقي أن يُترك مستقبل السودان في أيدي الذين ينظرون إلى السياسة بعين الماضي، بينما يُطلب من الشباب أن يعيشوا نتائج ذلك الماضي.

الحوار الذي يحتاجه السودان هو حوار صاعد من المجتمع، لا حوار هابط من النخب؛ حوار ينطلق من احتياجات المواطنين وأحلامهم ومخاوفهم، ويضع أمامه مهمة تأسيس الدولة لا تقاسمها. وهو حوار يجب أن يقود إلى مشروع وطني واضح المعالم، يحدد شكل الدولة ونظام الحكم، ويؤسس للعدالة الانتقالية والمساءلة، ويضمن الحقوق والحريات، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضع القوات المسلحة والقوات النظامية في إطار الدولة والقانون، وينهي ظاهرة المليشيات والتشكيلات المسلحة خارج المؤسسات الوطنية، ويواجه خطاب الكراهية والعنصرية والتطرف، ويعيد بناء الاقتصاد، ويضمن عودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة، ويضع الشباب والمرأة والمجتمع المدني في قلب عملية بناء المستقبل.

أما الحوار الذي يجمع أصحاب الأزمة ثم يخرج باتفاق لتوزيع السلطة بينهم، ثم يعود بعضهم إلى الحكومة ويذهب البعض الآخر إلى المعارضة، وتبدأ دورة الصراع من جديد، فليس حلاً للأزمة وإنما تأجيلاً لها. وفي نهاية كل دورة يدفع المواطن الثمن من أمنه وكرامته ومستقبله وموارده، بينما تستمر الدولة في استنزاف نفسها، وتستمر الأجيال في وراثة نتائج صراعات لم تكن طرفاً فيها.

لقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة.

إن رفض إعادة تدوير الماضي لا يعني رفض الحوار، بل يعني الدفاع عن حوار حقيقي. ورفض المحاصصة لا يعني رفض السياسة، بل يعني تحرير السياسة من منطق الغنيمة. ورفض إعطاء السلاح حقاً في تحديد مستقبل الدولة لا يعني إقصاء أحد، بل يعني حماية الدولة نفسها من أن تتحول إلى رهينة للقوة المسلحة. كما أن الدعوة إلى مشاركة المدنيين والشباب وأصحاب المصلحة الحقيقيين ليست محاولة لإلغاء القوى السياسية، وإنما محاولة لإعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية: خدمة المجتمع وبناء الدولة.

السودان يحتاج اليوم إلى لحظة تأسيس لا إلى هدنة سياسية مؤقتة. يحتاج إلى اتفاق السودانيين على قواعد الدولة قبل الاتفاق على شاغلي المناصب. يحتاج إلى دستور أو عقد وطني يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، والقانون فوق الجميع، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والدولة أقوى من الحزب، والوطن أكبر من القبيلة، والإنسان أسمى من السلطة.

إن الدولة المدنية الديمقراطية التي يحتاجها السودان ليست شعاراً أيديولوجياً، وإنما ضرورة لبقاء الوطن نفسه. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية لا طرفاً في التنافس السياسي، وتكون فيها الأحزاب أدوات للتنافس الديمقراطي لا وسائل للسيطرة على الدولة، وتكون فيها القبيلة مكوناً اجتماعياً محترماً لا منصة سياسية لاقتسام السلطة، وتكون فيها الحركات المسلحة جزءاً من عملية وطنية تنتهي بإعادة احتكار الدولة للسلاح، ويكون فيها القضاء مستقلاً، والإعلام حراً ومسؤولاً، والمجتمع المدني شريكاً، والمواطن هو صاحب السيادة الحقيقي.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل سوداني اليوم ليس: من سيحصل على السلطة؟ بل: ما الدولة التي نريد أن نورثها لأطفالنا؟

إذا كانت الإجابة دولةً تتكرر فيها الانقلابات والحروب والاتفاقات المؤقتة، وتُعاد فيها النخب نفسها إلى المواقع نفسها، فإننا لا نفعل سوى تأجيل الكارثة.

أما إذا كانت الإجابة دولةً عادلة، مدنية، ديمقراطية، موحدة، تحترم التنوع، تحمي الإنسان، يحتكم الجميع فيها إلى القانون، ولا يستطيع فيها حزب أو قبيلة أو حركة أو جماعة مسلحة أن تختطف الدولة أو تستخدمها ضد الآخرين، فإن الطريق إليها يبدأ من الاعتراف بأن النموذج القديم قد استنفد قدرته على إنتاج المستقبل.

السودان لا يحتاج إلى حوار يجمّل الأزمة، ولا إلى اتفاق يوزع مواقعها، ولا إلى نخبة تعيد إنتاج نفسها تحت عناوين جديدة. السودان يحتاج إلى مشروع وطني يضع نهاية سياسية وفكرية وأخلاقية لمنظومة إعادة إنتاج الفشل، ويفتح الطريق أمام جيل جديد يؤمن بأن الدولة ليست غنيمة، وأن السلطة ليست حقاً موروثاً، وأن الاختلاف ليس حرباً، وأن التنوع ليس تهديداً، وأن المواطن ليس وقوداً للمشروعات السياسية.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين حكومة ومعارضة، ولا بين حزب وحركة، ولا بين مركز وهامش، وإنما بين نموذجين: نموذج يريد أن يبقى السودان أسيراً لدائرة قديمة من الصراع وإعادة توزيع السلطة، ونموذج آخر يريد أن يؤسس وطناً جديداً تكون فيه الدولة للجميع، والكرامة للجميع، والعدالة للجميع، والمستقبل حقاً مشتركاً لكل السودانيين.

وهنا تكمن مسؤولية هذا الجيل: أن يرفض أن يرث أخطاء الماضي باعتبارها قدراً، وأن يرفض أن يتحول الحوار إلى مسرح جديد لإعادة إنتاج القوى التي فشلت في بناء الدولة، وأن يطالب بمسار وطني مختلف، يبدأ من المواطن وينتهي بالدولة، ويجعل الشباب في طليعة صناعة المستقبل، ويعيد تعريف السلام باعتباره عدالة ومواطنة ومؤسسات، لا مجرد اتفاق سياسي بين المتنافسين على السلطة.

السودان لا يحتاج إلى دورة جديدة من الحوار الذي ينتهي باتفاق ثم انقلاب ثم حرب ثم حوار. السودان يحتاج إلى كسر هذه الدورة مرة واحدة وإلى الأبد، وبناء دولة لا تعود فيها الحرب وسيلةً للسياسة، ولا تكون فيها السلطة غايةً للوطن، بل تكون الدولة نفسها هي المشروع، ويكون الإنسان السوداني هو غايتها الأولى والأخيرة.

هذه ليست دعوة إلى إقصاء أحد؛ إنها دعوة إلى تجاوز زمن الإقصاء كله. وليست دعوة إلى صناعة خصم جديد؛ إنها دعوة إلى إنهاء السياسة التي تصنع الخصوم ثم تعجز عن صناعة الدولة.

لقد آن للسودان أن ينتقل من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف نبني دولةً تستحق أن يحكمها السودانيون جميعاً؟

ومن الإجابة عن هذا السؤال يبدأ السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى