
كلام سياسة : الصافي سالم
لم يكن المشهد في جدة مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة، ولم تكن الجموع التي تجاوزت ستمائة سوداني قد جاءت لتشهد مراسم بروتوكولية وتنصرف بعدها إلى منازلها.كان هناك شيء أكبر من ذلك بكثير.
كان السودان حاضراً بكل تفاصيله؛ بتنوع أهله، وحنين مغتربيه، وآمالهم في دولة تستعيد عافيتها ومكانتها، وبإيمان راسخ بأن الأوطان، مهما اشتدت عليها المحن، تستطيع أن تنهض حين تجد الرجال الذين يحولون الأحلام إلى إنجازات.وفي قلب هذا المشهد، جاء بيت السودان الجديد بجدة ليحمل رسالة تتجاوز جدران المبنى ومساحاته ومكاتبه؛ رسالة تقول إن للدولة السودانية حضوراً، وإن للمواطن السوداني بيتاً يجمعه، وإن سنوات الحرب والدمار لم تستطع أن توقف إرادة البناء
محي الدين سالم.. حديث الدولة إلى أبنائها
حين وقف وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم أمام أكثر من ستمائة من أبناء السودان، لم يكن يخاطب جالية بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما كان يخاطب جزءاً أصيلاً من الوطن ظل يحمل السودان في قلبه رغم آلاف الكيلومترات.كان حديثاً من القلب إلى القلب، حمل رسائل عن الوطن والحرب والسلام وإعادة الإعمار، وعن العلاقات السودانية السعودية التي أصبحت اليوم أمام مرحلة جديدة من التعاون والشراكة.والرسالة الأهم أن المملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة تستضيف أعداداً كبيرة من السودانيين، وإنما شريك أصيل للسودان، تربطها به علاقات تاريخية وإنسانية واقتصادية عميقة، ويمكن لهذه العلاقات أن تلعب دوراً مهماً في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
وفي زمن يحتاج فيه السودان إلى أصدقائه وشركائه، تظل المملكة في مقدمة الدول التي تمتلك مع السودان روابط تتجاوز حسابات السياسة إلى وشائج المجتمع والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
كمال علي عثمان مفجّر الدبلوماسية المجتمعية
ولكن خلف هذا المشهد الكبير قصة تستحق أن تُروى.
إنها قصة القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، السفير الدكتور كمال علي عثمان، الرجل الذي قدم خلال فترة عمله نموذجاً مختلفاً للعمل القنصلي، وأعاد تعريف العلاقة بين البعثة الدبلوماسية والمواطن.لقد استطاع كمال علي عثمان أن يفجر طاقات الدبلوماسية المجتمعية، وأن يجعل القنصلية أكثر قرباً من الناس، والجالية أكثر قرباً من مؤسسات دولتها.
فالدبلوماسية ليست فقط اجتماعات رسمية ومذكرات وخطابات، وليست أبواباً مغلقة ومكاتب وبروتوكولات؛ الدبلوماسية الحقيقية أيضاً أن يشعر المواطن بأن ممثل دولته يعرف همومه، يسمع صوته، ويفتح له الباب.وهنا تكمن قيمة تجربة كمال علي عثمان.عمل بهدوء، واقترب من مختلف مكونات المجتمع السوداني، ومد جسور التواصل مع الروابط والقيادات والإعلاميين ورجال الأعمال والشباب والنساء، حتى أصبح بيت السودان مساحة يلتقي فيها الجميع بعيداً عن الانتماءات والاختلافات.
والأهم أن الرجل لم يكتفِ بإدارة الواقع، وإنما ترك بصمة قابلة للبقاء.
أن ينتقل السودان بعد سنوات طويلة من الإيجار إلى مقر مملوك لحكومته في مدينة بحجم وأهمية جدة، فذلك ليس مجرد تغيير عنوان؛ إنه أصل وطني وإنجاز مؤسسي وواجهة دبلوماسية تبقى للأجيال.ومن هنا فإن الإشادة بالسفير الدكتور كمال علي عثمان ليست مجاملة لرجل، وإنما تقدير لفكرة في الإدارة تقول إن المسؤول الحقيقي هو من يغادر موقعه يوماً ويبقى إنجازه شاهداً عليه.
لجنة التسيير.الشريك الذي كان حاضراً في الميدان
ولا تكتمل صورة النجاح دون إنصاف لجنة تسيير الجالية السودانية بجدة بقيادة رئيسها الأستاذ أحمد الأموي، والأمين العام الأستاذ أحمد عبدالرحيم، وأعضاء اللجنة.هذه اللجنة أثبتت أن العمل المجتمعي عندما يقوم على المسؤولية والتعاون يمكن أن يتحول إلى ذراع حقيقية لخدمة المواطنين.لقد كانت اللجنة حاضرة في ظروف استثنائية مر بها السودان، وعملت إلى جانب القنصلية ومكونات المجتمع في ملفات اجتماعية وإنسانية متعددة، وأسهمت في تعزيز التواصل وتنظيم العمل وسط جالية كبيرة ومتنوعة.كما يستحق التقدير كل من شارك في تهيئة وتدشين المقر الجديد، وفي مقدمتهم اللجنة القومية والإعلاميون والصحفيون والروابط والفعاليات المجتمعية التي صنعت ذلك الحضور الكبير.
فالنجاحات الكبرى لا يصنعها فرد واحد مهما كانت قدراته، وإنما تنجح حين تتكامل إرادة المسؤول مع طاقة المجتمع.وهذا تحديداً ما شاهدناه في جدة.أكثر من ستمائة سوداني الرقم الذي يحمل رسالة
الحضور الذي تجاوز ستمائة شخص لم يكن مجرد رقم يضاف إلى الخبر.إنه في تقديري أهم رسالة في المناسبة كلها.
في زمن أنهكت فيه الحرب السودانيين، ووسعت مساحات الخلاف، كان اجتماع هذا العدد الكبير من مختلف المكونات تحت سقف الوطن رسالة بأن السودان ما زال قادراً على جمع أبنائه.اختلفوا في السياسة، واختلفوا في الرؤى، وجاءوا من ولايات ومناطق ومكونات مختلفة، لكن عندما أصبح العنوان بيت السودان حضر السودان أولاً.
وهذا هو المعنى الذي يجب أن نحمله معنا إلى مرحلة ما بعد الحرب.
نحتاج إلى وطن يتسع للجميع، وإلى مؤسسات لا تسأل المواطن من أين جاء أو إلى أي جهة ينتمي، وإنما تسأله فقط: ماذا نستطيع أن نقدم لك
بيت السودان البداية وليست النهايةجميل أن يمتلك السودان بيتاً في جدة، لكن الأجمل أن تتحول فلسفة بيت السودان إلى منهج في كل بعثاتنا الدبلوماسية.
نريد سفارات وقنصليات لا يذهب إليها المواطن لإنجاز أوراقه فقط، وإنما يجد فيها جزءاً من وطنه.
نريد دبلوماسية تعرف أن السوداني في المهجر ليس مجرد رقم في سجل الجوازات، وإنما سفير شعبي لوطنه، وطاقة اقتصادية وعلمية ومهنية يمكن أن تشارك في إعادة البناء.والسودان المقبل سيحتاج إلى أبنائه في الخارج أكثر من أي وقت مضى؛ سيحتاج إلى خبراتهم واستثماراتهم وعلاقاتهم ومبادراتهم.
لذلك فإن الدبلوماسية المجتمعية التي نشاهد ملامحها اليوم في جدة يمكن أن تصبح نموذجاً يستحق الدراسة والتطوير والتعميم.
من جدة.. السودان يقول إنه باقٍ لقد دمرت الحرب الكثير، لكنها لم تدمر إرادة السودانيين.
وبينما تُعاد اليوم كتابة قصة السودان وسط تحديات ضخمة، فإن كل مبنى يُعمّر، وكل مؤسسة تستعيد نشاطها، وكل جسر يُبنى بين الدولة ومواطنيها يمثل حجراً جديداً في مشروع النهوض الوطني.
وما حدث في جدة كان واحداً من تلك المشاهد التي تمنح الناس الأمل.
تحية لوزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم على رسائله الوطنية الواضحة لأبناء السودان.وتحية مستحقة للقنصل العام السفير الدكتور كمال علي عثمان، مفجّر الدبلوماسية المجتمعية في جدة، الذي اختار أن يجعل الإنجاز يتحدث عنه.وتحية للجنة تسيير الجالية ولكل اللجان والروابط والإعلاميين والعاملين بالقنصلية وكل يد شاركت في الوصول إلى هذه اللحظة.أما التحية الأكبر، فهي لأولئك السودانيين الذين ملأوا المكان، وجاءوا يحملون في قلوبهم وطناً بعيداً بالجغرافيا، لكنه كان في تلك اللحظة أقرب إليهم من أي وقت مضى.
ذلك البيت ليس للقنصلية وحدهاإنه بيت السودان.
ومن جدة، حيث اجتمع أكثر من ستمائة سوداني تحت راية واحدة، جاءت الرسالة واضحة:السودان، مهما أصابته المحن، قادر على أن يبني من جديد.



