أخر الأخبار

عمار العركي يكتب : اللواء سعاد تاتاي .. حكاية ثبات

وأنا أطالع مقال الأخ والصديق صبري العيكورة عن ترقية العميد شرطة “سعاد مصطفى خلف الله تاتاي” إلى رتبة اللواء، استوقفتني إشارته إلى أنه لم يلتقها، وإنما عرفها من خلال أوجاع الناس وحوائجهم. توقفت وأنا أقرأ، لأنني أيضا لم ألتق سعاد، ولا أعرفها معرفة مباشرة، لكنني عرفتها من خلال صبري، ومن خلال حوائج الناس.

ففي محطة نزوحنا الأولى إلى مدني، كنت كثيرا ما أحمل إلى صبري مشكلات الناس وحوائجهم، وكان بدوره يعكسها إلى سعاد، فتقضيها على أكمل وجه. وهكذا تكونت لدي صورة هذه المرأة من أثرها في حياة الناس، لا من لقاء شخصي. لذلك، حين قرأت خبر ترقيتها، لم يمر عندي كخبر ترقية عادي، وإنما استوقفني اسم امرأة عرفتها دون أن ألتقيها.

أخذني اسم الشرطية سعاد إلى صوت الشهيدة، الشرطية نهاد محجوب، وهي ترفع إصبع السبابة وتشق بصوتها عنان السماء: «أنا تلك المرأة الشرطية التي مثلت الشرطة والمرأة في الخطوط الأمامية ولن أتراجع… وإما النصر وإما الشهادة». فربح بيعها، ونالت الشهادة. وبها، وبرفاقها ورفيقاتها، نلنا نحن الحرية والنصر.

وهنا وجدت نفسي أمام شرطيتين: اللواء سعاد… والمقدم نهاد. امرأتان من الشرطة جمعتهما الحرب، وإن اختلف الموقع والمصير. نهاد في الخط الأمامي، حيث المواجهة والرصاص والشهادة، وسعاد في خط آخر من خطوط الحرب؛ خط المؤسسة والخدمة، والحفاظ على ما يمكن حفظه من الدولة في مواجهة الانهيار.

ففي الأيام التي سبقت سقوط مدني، كانت إدارة الجوازات تخوض معركتها الخاصة، وكانت سعاد في موقعها. وكثير من ضباط الشرطة غادروا البلاد مع أسرهم في بداية الحرب، ومنهم من ترك أسرته وعاد إلى موقعه، ومنهم من لم يعد إلا بعد الاستدعاء.

أما سعاد… فكربت قاشها، واتحزمت، ورفعت تمامها لمدير شرطة ولاية الجزيرة.
بقيت في موقعها، وواصلت معركتها حتى بعد سقوط مدني، حين انتقلت إلى بورتسودان، حيث واجهت جموع النازحين وأسر الحرب، حين أصبح الجواز لكثيرين طوق نجاة.

الرتبة تحكمها اللوائح، لكن قيمتها الحقيقية تختصرها سيرة صاحبها وما قدمه في أصعب الظروف. ولا أضع سعاد بجوار نهاد للمقارنة، وإنما لأنهما صورتان متكاملتان للمرأة الشرطية السودانية في زمن الحرب.
نهاد قالت: «إما النصر وإما الشهادة»، فكانت الشهادة نصيبها. وسعاد لم تقل كثيرا، لكنها قالت موقفها بالفعل: بقيت حيث كان الواجب، وواصلت الخدمة حين كان الانسحاب أسهل.

واحدة واجهت الموت في المقدمة، والأخرى واجهت قسوة الحرب في مواقع الخدمة. وبينهما تتكامل صورة الشرطة التي لا يحميها السلاح وحده، وإنما يحميها أيضا الذين يصرون على البقاء في مواقعهم.

مبروك لسعادة اللواء شرطة سعاد مصطفى تاتاي، والرحمة والقبول للمقدم الشهيدة نهاد محجوب، والتحية لكل شرطية وشرطي ظلوا في مواقعهم حين كان الانسحاب أسهل.
وبين الرتبة والشهادة… تبقى سيرة المرأة الشرطية السودانية: ثبتت في زمن الحرب، ولم تتزحزح حين تزحزح آخرون، وظلت حيث كان يجب أن تكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى