الحوار السوداني ـ السوداني.. فرصة لاستعادة القرار الوطني وصناعة المستقبل

بقلم: ندى عثمان عمر الشريف
الان وفي لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان، لم يعد الحوار السوداني ـ السوداني ترفاً سياسياً أو مناسبة لتبادل الاتهامات، بل أصبح اختباراً حقيقياً لإرادة السودانيين في استعادة وطنهم، وصون سيادته، وتحديد مستقبل دولتهم بأيديهم.
فالحرب لم تخلّف دماراً ونزوحاً وفقداً للأرواح والممتلكات فحسب، وإنما أفرزت واقعاً سياسياً معقداً تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية. وفي ظل هذا المشهد، يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع السودانيون استعادة زمام المبادرة، وجعل الحوار مدخلاً إلى حل سوداني، بدلاً من أن يكون محطة أخرى في سلسلة المبادرات الخارجية؟
إن الحوار المطلوب يجب أن يكون حواراً وطنياً حقيقياً، لا منصة لإعادة تدوير النخب، ولا صفقة لتقاسم السلطة، ولا غطاءً سياسياً لأي طرف يسعى إلى تحقيق ما عجز عن تحقيقه في الميدان.
بوصلته يجب أن تكون واضحة: السودان أولاً.
وهذا يعني فتح الباب أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية التي تحترم سيادة الدولة السودانية، ووحدة أراضيها، واستقلال قرارها الوطني، وتؤمن بأن الخلاف السياسي لا يبرر الاستقواء بالخارج، وأن التنافس على السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى استباحة للدولة والمجتمع.
فالسيادة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في البيانات السياسية، وإنما هي أن يكون القرار السوداني نابعاً من إرادة السودانيين، وأن تكون العلاقات الخارجية أداة لخدمة المصالح الوطنية لا بديلاً عن الإرادة الوطنية. ولا يعني ذلك عزل السودان عن محيطه أو رفض الدعم الدولي والإقليمي، بل التمييز بوضوح بين المساندة والوصاية، وبين الشراكة والتدخل.
ومن هنا، فإن أي مسار سياسي جاد يجب أن يجعل احترام السيادة السودانية قاعدة غير قابلة للمساومة.
الحوار ومالاءاته
نجاح الحوار لا يتوقف على الجلوس حول الطاولة، وإنما على البيئة التي تسبقه، والضمانات التي تحيط به، والمخرجات التي تترتب عليه. فلا يمكن لحوار يبدأ بالإقصاء أن ينتج سلاماً، ولا لحوار تحكمه أجندات خارجية أن يؤسس لدولة مستقلة، كما لا يمكن أن يكون جاداً إذا تحول إلى مجرد وسيلة لإعادة توزيع السلطة بين النخب، بينما يظل المواطن خارج المعادلة.
لذلك، يحتاج الحوار إلى قواعد واضحة تقوم على احترام سيادة الدولة ووحدة السودان، ونبذ العنف السياسي، وحماية المدنيين، ورفض خطاب الكراهية، واحترام التنوع، والالتزام بمسار ديمقراطي يضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات.
وفي هذا السياق، تمثل هذه اللحظة امتحاناً حقيقياً للقوى السياسية السودانية. فمن يملك مشروعاً وطنياً لن يخشى الحوار، ومن يؤمن بالديمقراطية لن يخشى الاختلاف، ومن يضع السودان فوق مصالحه الحزبية لن يتردد في تقديم التنازلات اللازمة لإنقاذ الوطن.
من حوار النخب إلى حوار الوطن
السودان أكبر من أحزابه وتحالفاته السياسية. ولذلك لا ينبغي أن يبقى الحوار محصوراً بين السياسيين، بل يجب أن يشمل الإدارات الأهلية، والمرأة، والشباب، والمجتمع المدني، والمثقفين والمهنيين، وأسر الضحايا، والنازحين واللاجئين، وكل الفئات التي دفعت ثمن الحرب.
فهؤلاء ليسوا مجرد جمهور للحوار، بل أصحاب مصلحة حقيقيون في صناعة السلام وبناء الدولة.
والخطر اليوم لا يكمن في استمرار الحرب وحدها، وإنما في أن تتحول الانقسامات إلى واقع دائم، وأن يصبح الصراع السياسي صراعاً على الهوية والجغرافيا، بما يجعل استعادة الدولة أكثر صعوبة.
ولهذا يجب أن يكون الحوار السوداني ـ السوداني مشروعاً لاستعادة الدولة قبل أن يكون مشروعاً لتقاسم السلطة: دولة واحدة، مؤسسات وطنية موحدة، قرار مستقل، وتعدد سياسي لا يتحول إلى اقتتال.
السودان أولاً
السودان اليوم لا يحتاج إلى منتصر ومهزوم بقدر ما يحتاج إلى وطن ينجو.
إن الحوار السوداني ـ السوداني يمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية إذا انتقل من مجرد شعار إلى إرادة سياسية، ومن منصة للمواقف إلى مساحة لصناعة التوافق، ومن صراع على السلطة إلى اتفاق على الدولة.
فالسودانيون هم من سيدفعون ثمن القرارات، وهم من سيعيدون بناء المدن، ويفتحون المدارس والمستشفيات، ويزرعون الأرض، ويحملون ذاكرة الضحايا إلى المستقبل.
لذلك، فإن الحوار السوداني ـ السوداني ليس مجرد فرصة للقوى السياسية، بل فرصة للسودان نفسه؛ فرصة لاستعادة الصوت الوطني، وإعادة القرار إلى الداخل، وتحويل الاختلاف من سبب لهدم الدولة إلى وسيلة لبنائها.
وبعد سنوات من الألم والدمار، ربما آن الأوان لأن نقول:
اختلفنا كثيراً حول السلطة… فلنتفق الآن على السودان.
فالسودان للسودانيين، وقراره للسودانيين، ومستقبله يصنعه السودانيون.

Exit mobile version