السعودية والسودان مجلس جديد يفتح أبواب الشراكة الاستراتيجية

بقلم : الصافي سالم

في لحظة دقيقة من تاريخ السودان، وبينما تتقاطع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية مع تطلعات الشعب السوداني إلى الاستقرار والسلام وإعادة البناء، تأتي الخطوة السعودية الجديدة لتؤكد أن العلاقة بين الرياض والخرطوم تتجه إلى مرحلة مختلفة؛ مرحلة عنوانها المؤسسية، والاستمرارية، وتحويل العلاقات التاريخية إلى شراكات عملية ومشروعات ملموسة.
توقيع وزيري الخارجية السعودي والسوداني في الرياض وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي السوداني ليس مجرد إجراء بروتوكولي أو لقاء دبلوماسي ، بل يمثل انتقالاً مهماً من إدارة الملفات بصورة منفردة إلى وضع إطار مؤسسي يمكن أن يجمع مؤسسات البلدين حول أجندة مشتركة، ويتابع تنفيذ المبادرات والمشروعات ويقيس نتائجها.والأهم أن المجلس يأتي في توقيت يحتاج فيه السودان إلى شراكات حقيقية تساعده على تجاوز آثار الحرب، واستعادة عافيته الاقتصادية، وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاستثمار والإنتاج.السعودية، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي وقدرات استثمارية واسعة، تستطيع أن تكون شريكاً محورياً في المرحلة المقبلة، ليس فقط عبر الدعم والمساندة، وإنما من خلال الانتقال إلى مشروعات استراتيجية في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والبنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات، إلى جانب تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين القطاع الخاص في البلدين.
ومن هنا، فإن قيمة المجلس الجديد ستظهر في قدرته على الانتقال من طاولة الاجتماعات إلى أرض الواقع فالسودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى مزيد من البيانات بقدر حاجته إلى مشروعات تُرى نتائجها، واستثمارات تخلق فرص العمل، وشراكات تعيد تشغيل القطاعات الإنتاجية وتفتح أبواباً جديدة أمام الاقتصاد السوداني.كما أن البعد السياسي للمجلس لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، فالعلاقات السعودية السودانية تمتلك رصيداً تاريخياً عميقاً، وظلت المملكة حاضرة في العديد من المحطات المهمة المتعلقة بالسودان، كما أن استقرار السودان يمثل أهمية كبيرة لأمن المنطقة واستقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.ولذلك فإن تعزيز التنسيق بين الرياض والخرطوم يمكن أن يشكل عاملاً داعماً للجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان، مع الحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
واللافت كذلك أن إنشاء المجلس يتزامن مع نقاشات حول تطورات إقليمية واسعة، ما يمنحه فرصة لأن يكون منصة دائمة للتشاور السياسي وتنسيق المواقف، وليس مجرد آلية اقتصادية.
السؤال الأهم الآن ليس: لماذا أُنشئ المجلس؟ بل ماذا سيقدم المجلس للسودان والسعودية خلال المرحلة المقبلة؟
إذا نجح المجلس في وضع برامج زمنية واضحة، وتحديد الأولويات، وإشراك القطاع الخاص، ومتابعة التنفيذ بصورة مستمرة، فإنه يمكن أن يتحول إلى واحدة من أهم منصات الشراكة العربية للسودان، وأن ينقل العلاقة بين البلدين من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية طويلة المدى.السودان أمام مرحلة إعادة ترتيب واسعة، والسعودية أمام فرصة تاريخية لتعميق حضورها كشريك أساسي في مستقبل السودان الاقتصادي والسياسي.
وبين الخرطوم والرياض، يبدو أن الرسالة الأهم التي يحملها المجلس الجديد هي أن العلاقات التي تقوم على التاريخ والثقة، عندما تجد الإطار المؤسسي والمشروعات الطموحة، يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية تصنع المستقبل.
فهل يكون مجلس التنسيق السعودي السوداني مجرد إطار جديد للتنسيق، أم يتحول إلى بوابة لشراكة اقتصادية وسياسية كبرى تعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين؟الأيام المقبلة وحدها ستجيب.. لكن المؤشرات تقول إن صفحة جديدة قد بدأت بالفعل.

Exit mobile version