أخر الأخبار

لمياء صلاح تكتب: حين تصبح الصحافة هي القضية

من أخطر ما يُطرح اليوم في المشهد العام ليس الفساد وحده، بل محاولة تطويق الصحافة التي تقترب منه.

حين تتكاثر البلاغات في مواجهة الصحفيين كلما اقتربوا من قضية فساد، أو مساءلة مسؤول، أو ملف يمس المصلحة العامة، فإن الرسالة التي تصل إلى كل صحفي تصبح واضحة:
فكّر كثيراً قبل أن تكتب… فقد تكون كلمتك طريقك إلى البلاغ، وربما إلى السجن.

وهنا تكمن الخطورة.

فالمسألة لم تعد قضية صحفي بعينه، وإنما محاولة لصناعة صحافة خائفة؛ صحافة تحسب ثمن كل كلمة، وتراجع كل سؤال مئة مرة، وتختار الصمت حين يكون واجبها أن تتكلم.

في كليات الإعلام تعلمنا أن الصحافة الاستقصائية وُجدت لتبحث عما لا يريد البعض أن يُرى، وأن الحس الصحفي ليس مجرد مهارة في صياغة الخبر، وإنما قدرة على التقاط ما وراء الخبر، وطرح الأسئلة التي قد لا يرغب أصحاب القرار في سماعها.

تعلمنا أن الصحفي لا يكتفي بما يُقال له، بل يبحث عما يجب أن يعرفه الناس.

ولهذا لم تأتِ تسمية الصحافة بـ السلطة الرابعة من فراغ.

لكن السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:

هل ما زالت الصحافة تمارس دورها كسلطة رقابية؟
أم أصبحت هي نفسها سلطةً مُسلَّطاً عليها؟

والأخطر من كل ذلك، هو محاولة الزج بقضايا النشر والصحافة في دهاليز الأجهزة القضائية، وتجاوز الإطار الذي وضعته قوانين الصحافة وأخلاقيات المهنة لتنظيم العلاقة بين الصحفي والمجتمع والدولة.

فالصحفي ليس فوق القانون، ولا أحد يطالب بإعفائه من المسؤولية.

لكن في المقابل، لا يجوز أن يصبح القانون سيفاً معلقاً فوق رأس الصحفي كلما مارس حقه وواجبه في السؤال والكشف والمساءلة.

لقانون الصحافة والمطبوعات مكانه، ولأخلاقيات المهنة وشرفها مكانته، وللصحافة آلياتها المهنية التي يجب احترامها من الجميع.

فلماذا يُهمل الإطار المهني حين يتعلق الأمر بالصحفي، وتُفتح أبواب القوانين الجنائية كلما كُشف ملف فساد أو وُجه سؤال إلى مسؤول؟

هنا يجب أن نتوقف.

لأن القضية أكبر من بلاغ، وأكبر من صحفي، وأكبر من مؤسسة إعلامية.

القضية هي: هل نريد صحافة تكشف الحقيقة، أم صحافة تخشى عواقب الحقيقة؟

فإذا نجح الخوف في إسكات الصحفي، فلن تختفي قضايا الفساد…
بل سيختفي فقط من يجرؤ على كشفها.

وحين يصبح الصمت أكثر أماناً من الحقيقة، فإن الخاسر في النهاية ليس الصحفي وحده.

الخاسر هو المجتمع.

لأن الصحافة حين تُكمّم، لا يُكمّم صوت الصحفي فقط؛
بل يُحجب عن الناس حقهم في المعرفة، والمساءلة، والمحاسبة.

انتبهوا…
المشكلة ليست في عدد البلاغات.
المشكلة في الرسالة التي تحملها البلاغات.
فإذا كان المطلوب أن يخاف الصحفي من الكتابة، فمن الذي سيجرؤ غداً على كشف الحقيقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى