أخر الأخبار

السودان لا يحتاج اتفاقاً جديداً لتقاسم السلطة، بل عقداً وطنياً لتأسيس الدولة

بقلم: الدكتور أحمد عبد الله إسماعيل

يقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية لا يجوز أن تُدار بالعقلية التي قادت إلى الأزمات السابقة، ولا أن تُستثمر فيها المأساة الحالية لإعادة إنتاج النخب ذاتها، أو إعادة توزيع السلطة بين من هم سببا وراء الفشل تحت عناوين جديدة. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكشف فقط عمق الانقسام السياسي والعسكري، وإنما كشفت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبمصادر الشرعية، وبضعف المؤسسات، وباختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وبفشل النخب المتعاقبة في تأسيس عقد وطني قادر على إدارة التنوع السوداني بالعدل والمواطنة وسيادة القانون.

ولهذا فإن أي حديث عن حوار سوداني داخلي جديد ينبغي ألا يبدأ بالسؤال التقليدي: من سيحكم السودان؟ بل بالسؤال الأكثر أهمية: أي دولة يريد السودانيون أن يبنوا، وما القواعد التي يجب أن تحكم انتقالهم من الحرب إلى السلام، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسات؟

هذه ليست مسألة لغوية أو سياسية عابرة؛ إنها جوهر الأزمة السودانية.

فالسودان لم يعانِ طوال عقوده الماضية من نقص في الاتفاقيات. لقد شهد اتفاقيات سياسية وسلاماً وتسويات انتقالية متعددة، إلا أن لم ينجح واحد منها في تحويل السلام إلى نظام مؤسسي مستدام. وفي حالات عديدة تحولت الاتفاقيات إلى ترتيبات لتقاسم السلطة والنفوذ بين قوى محدودة، بينما ظلت جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية قائمة، وظل المواطن خارج دائرة صناعة القرار.

وهنا ينبغي أن يكون الدرس التاريخي واضحاً: الاتفاق الذي ينهي جولة من القتال لا يكون بالضرورة اتفاقاً يصنع السلام، والهدنة السياسية ليست هي الدولة، وتسوية السلطة ليست هي العقد الاجتماعي.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الاتفاقيات التي تُبنى على موازين القوة وحدها تظل رهينة لتلك الموازين. فإذا تغيرت القوة تغيرت الاتفاقية، وإذا انهارت التحالفات انهارت معها الترتيبات السياسية. أما الدولة فلا ينبغي أن تكون رهينة لموازين القوى المؤقتة، وإنما يجب أن تقوم على مؤسسات مستقرة، ودستور دائم، وقواعد سياسية واضحة، وشرعية مستمدة من الشعب.

ومن هنا فإن الحوار السوداني المطلوب اليوم يجب أن يكون مختلفاً في طبيعته وأهدافه ومخرجاته. لا ينبغي أن يكون مؤتمراً آخر للنخب، ولا منصة جديدة لتوزيع المناصب، ولا صفقة سياسية بين القوة السياسية ، ولا آلية لإعادة تدوير القوى التي فشلت في إدارة المراحل السابقة. المطلوب هو عملية تأسيسية وطنية تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتضع قواعد جديدة للمشاركة السياسية، وتؤسس لشرعية لا يستطيع السلاح ولا المال ولا النفوذ الخارجي أن يصنعها أو يحتكرها.

فالشرعية السياسية في الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد البنادق، ولا بعدد المقاتلين، ولا بحجم التمويل الخارجي، ولا بالقدرة على احتلال مساحة جغرافية، ولا بامتلاك منصات إعلامية واسعة. الشرعية تُبنى على المواطنة، والتمثيل الشعبي، والبرنامج السياسي، والانتخاب الحر، واحترام الدستور، والالتزام بالقانون، والقدرة على التعبير عن مصالح المجتمع بصورة سلمية ومؤسسية.

وهذا المبدأ يجب أن يكون أحد الأسس التي يقوم عليها الحوار الوطني القادم.

إن احترام حق جميع السودانيين في المشاركة السياسية لا يعني التسوية بين الحق في المشاركة والحق في احتكار تمثيل المجتمع. كما أن شمول العملية السياسية لا يعني غياب المعايير. فالشمول الحقيقي لا يكون بإدخال كل من يرفع شعاراً أو يمتلك قوة مسلحة إلى طاولة التفاوض، وإنما بإقامة عملية سياسية مفتوحة وعادلة، تُقاس فيها المشاركة بمعايير شفافة يمكن الدفاع عنها أمام الشعب والمجتمع الدولي.

ومن الضروري لذلك إجراء مراجعة وطنية شاملة للمكونات السياسية والمدنية والمسلحة التي ستشارك في أي عملية انتقالية أو حوار تأسيسي. ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة أداة للإقصاء، وإنما أداة لحماية شرعية العملية السياسية نفسها. يجب أن يكون لكل مكون سياسي أو مدني أو مجتمعي برنامج معلن، وقاعدة اجتماعية يمكن التحقق منها، وهيكل مؤسسي واضح، ومصادر تمويل معلنة، وموقف واضح من الدولة المدنية والدستور وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والتزام صريح بالوسائل السلمية في الوصول إلى السلطة.

إن السودان لا يستطيع أن يبني مستقبله على كيانات سياسية لا يعرف المجتمع حجم تمثيلها الحقيقي، أو على تنظيمات تتحول بين ليلة وضحاها إلى قوى تفاوضية بسبب امتلاكها السلاح أو قدرتها على الحصول على دعم خارجي. وليس من العدل أن تُمنح إرادة الملايين إلى مجموعات لا تمتلك تفويضاً شعبياً واضحاً لمجرد أنها كانت أكثر قدرة على الوصول إلى طاولة التفاوض.

المشاركة حق، أما التمثيل فمسؤولية.

ومن هنا تأتي قضية التدخل الخارجي بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي عملية سياسية مقبلة. فالسودان ليس معزولاً عن محيطه الإقليمي والدولي، ولا يمكن تجاهل المصالح الدولية والإقليمية المرتبطة به. كما أن الدعم الدولي للسلام والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات يمكن أن يكون ضرورياً. لكن هناك فارقاً أساسياً بين الشراكة الدولية التي تساعد السودانيين على بناء السلام، وبين التدخل الخارجي الذي يعيد تشكيل الإرادة السياسية السودانية وفق مصالح خارجية.

وإذا كان المجتمع الدولي يريد حواراً سودانياً ذا مصداقية، فعليه أن يساعد على حماية استقلال العملية السياسية، لا أن يستبدلها بترتيبات تُصنع خارج السودان. كما يجب أن تكون مصادر تمويل القوى السياسية والتنظيمات المشاركة في الحوار خاضعة للشفافية والإفصاح، بما يضمن معرفة أي تضارب محتمل في المصالح، ويمنع تحويل المال الخارجي إلى أداة للتأثير في القرار الوطني.

وهذا لا يعني إغلاق السودان أمام العالم، ولا منع القوى السودانية من إقامة علاقات دولية مشروعة، وإنما يعني أن يكون القرار السياسي سودانياً، وأن يكون الدعم الخارجي شفافاً، وأن تكون الأولوية للمصلحة الوطنية.

وقد أصبح هذا المبدأ حاضراً أيضاً في الخطاب الدولي والأفريقي الراهن بشأن السودان؛ إذ تؤكد مواقف حديثة للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن الأفريقي أهمية مسار سياسي سوداني الملكية والقيادة، وشامل ومدني، لا يقتصر على أصحاب السلاح.

لكن نجاح هذا المسار لن يكون ممكناً إذا ظل الشعب السوداني مجرد متفرج على مفاوضات تجري باسمه.

لقد آن الأوان للانتقال من مفهوم «الحوار بين القوى السياسية» إلى مفهوم أوسع هو الحوار الوطني مع المجتمع. فالنازح الذي فقد منزله، واللاجئ الذي اضطر إلى مغادرة وطنه، والمرأة التي تحملت تبعات الحرب، والشاب الذي فقد سنوات من عمره وفرصته في التعليم والعمل، والمزارع الذي دُمرت أرضه، والطبيب والمعلم والمهندس والعامل ورجل الأعمال، وسكان الأقاليم التي عانت من التهميش والحرب، كل هؤلاء ليسوا ضيوفاً على مستقبل السودان؛ إنهم أصحاب المصلحة الأساسيون فيه.

ولذلك ينبغي أن تكون المشاركة الشعبية جزءاً أصيلاً من العملية السياسية، لا مجرد نشاط رمزي لتجميلها. يجب أن يسمع الحوار أصوات الأقاليم والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والمهنيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص والنازحين واللاجئين، وأن تُنشأ آليات تشاور حقيقية تمكن المواطنين من التعبير عن رؤيتهم للدستور وشكل الدولة والعدالة والاقتصاد والتنمية وتقاسم الموارد والسلطة.

فالسودان لا يمكن أن يُعاد بناؤه من الخرطوم وحدها، ولا من العواصم الإقليمية والدولية، ولا من غرف التفاوض المغلقة.

السودان يجب أن يُعاد بناؤه من المجتمع.

وهنا تبرز أهمية إعادة تعريف الفترة الانتقالية. فالمرحلة الانتقالية ليست فرصة أخرى لتقاسم المناصب بين القوى السياسية والعسكرية، وليست نظاماً دائماً يُمدد كلما تعذر الوصول إلى الانتخابات. وظيفتها الأساسية هي تأسيس البيئة التي تسمح للدولة بالانتقال من الحرب إلى الاستقرار، ومن الفوضى المؤسسية إلى الحكم الدستوري.

ولهذا ينبغي أن تكون الفترة الانتقالية محددة الأهداف والمدة، وأن تكون مهمتها الأساسية إعادة بناء المؤسسات، وإصلاح الخدمة المدنية، واستعادة استقلال القضاء، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتهيئة البيئة السياسية للانتخابات، ومعالجة آثار الحرب، وإطلاق عملية العدالة الانتقالية، وإعادة النازحين واللاجئين، ووضع الأساس لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

إن تحويل الفترة الانتقالية إلى مرحلة جديدة للمحاصصة سيعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة في ثوب جديد.

وفي صميم هذه العملية يجب أن تأتي قضية احتكار الدولة للسلاح. فلا يمكن أن تقوم دولة حديثة بوجود جيوش ومليشيات وتشكيلات مسلحة متعددة الولاءات. ولا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بينما يحتفظ أي طرف بالقدرة على استخدام القوة المسلحة لفرض إرادته السياسية.

إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية وغير حزبية، تخضع للسلطة المدنية الدستورية، ليس مطلباً فنياً فحسب، وإنما هو شرط لبقاء الدولة نفسها. ويجب أن تتم عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وفق معايير مهنية وقانونية، بعيداً عن المحاصصة، وبما يمنع تحويل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية إلى امتداد للقوى السياسية.

لكن السلام لا يمكن أن يكون مستداماً إذا لم تقترن إعادة بناء الدولة بإعادة بناء الثقة.

والثقة لن تعود من خلال البيانات السياسية وحدها. فالضحايا الذين فقدوا أبناءهم، والأسر التي دُمرت حياتها، والمجتمعات التي تعرضت للنزوح والانتهاكات، لا يمكن مطالبتهم بطي صفحة الماضي من دون حقيقة وعدالة وإنصاف.

لذلك يجب أن تكون العدالة الانتقالية جزءاً مركزياً من العقد الوطني الجديد. المطلوب ليس الانتقام، وإنما الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الانتهاكات، مع احترام المحاكمة العادلة وسيادة القانون. فلا يمكن لدولة أن تبني شرعيتها المستقبلية على تجاهل الجرائم الجسيمة التي ارتكبت في الماضي.

كما أن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تكون سياسية فقط. فالحرب دمرت الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات وأضعفت الإنتاج وأغلقت أبواب المستقبل أمام أجيال كاملة. ولذلك فإن العقد الوطني الجديد يجب أن يتضمن رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة تعالج جذور الفقر والتهميش، وتعيد بناء قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والتعليم والصحة، وتخلق فرصاً حقيقية للشباب، وتضع الموارد الوطنية تحت إدارة مؤسسية شفافة.

إن التنمية ليست نتيجة تلقائية للسلام؛ بل هي أحد شروط استدامته.

فحين يعيش المواطن في إقليم كامل من دون خدمات وفرص اقتصادية، تصبح الهوية الجهوية والقبلية أكثر قدرة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة. وحين يغيب القانون وتنهار المؤسسات، يصبح السلاح بديلاً للعدالة، وتصبح الحماية القبلية بديلاً للأمن الوطني، ويصبح الولاء للجماعة أقوى من الانتماء للدولة.

ولهذا فإن بناء الدولة السودانية ليس مشروعاً سياسياً منفصلاً عن التنمية، وإنما مشروع متكامل لإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والاقتصاد والمجتمع.

والمطلوب في نهاية هذه العملية ليس اتفاقاً سياسياً جديداً فحسب، وإنما عقد وطني ودستوري جديد يضع قواعد واضحة لا يجوز أن تكون رهينة للمساومات السياسية العابرة: المساواة الكاملة بين المواطنين، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، واللامركزية العادلة، والتوزيع المنصف للموارد، والشفافية، والمساءلة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، ورفض العنصرية وخطاب الكراهية، وتجريم استخدام الدولة ومؤسساتها لخدمة حزب أو قبيلة أو جماعة أو فرد.

إن الدولة التي يحتاجها السودان ليست دولة تنتصر فيها مجموعة على أخرى، وإنما دولة تنتصر فيها القاعدة القانونية على الجميع.

وهنا ينبغي أن يدرك المجتمع الدولي أن دعم السودان لا ينبغي أن يتوقف عند وقف إطلاق النار أو جمع الأطراف حول طاولة تفاوض. فالسلام المستدام يحتاج إلى استثمار طويل الأمد في المؤسسات، والعدالة، والحكم الرشيد، وإعادة الإعمار، والمجتمع المدني، والتعليم، والتنمية، والقدرة الوطنية على إدارة الموارد.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بتطوير مقاربته السياسية للسودان. فليس من الحكمة اختزال السودان في مجموعة محدودة من الشخصيات أو التنظيمات التي تستطيع الوصول إلى العواصم الخارجية. وليس من الواقعي افتراض أن كل من يجلس إلى طاولة تفاوض يمثل بالضرورة المجتمع الذي يدعي تمثيله.

إن معيار النجاح يجب أن يكون أوسع: هل العملية السياسية سودانية فعلاً؟ هل هي شاملة؟ هل هي شفافة؟ هل تخضع لمعايير واضحة؟ هل تسمح بمشاركة أصحاب المصلحة الحقيقيين؟ هل تمنع أصحاب السلاح من احتكار مستقبل البلاد؟ وهل تضع الأساس لدولة تستطيع أن تعيش بعد انتهاء المفاوضات؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها المؤسسات الدولية والإقليمية قبل أن تحتفل بأي اتفاق جديد.

والسودانيون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية. فلا يمكن مطالبة الخارج باحترام الإرادة الوطنية بينما تستمر القوى السودانية في البحث عن شرعيتها من الخارج. ولا يمكن بناء دولة مستقلة إذا أصبحت المنافسة السياسية قائمة على من يمتلك الحليف الإقليمي أو الدولي الأقوى.

السيادة ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات؛ إنها قدرة الدولة والمجتمع على اتخاذ القرار الوطني بصورة مستقلة، وعلى إدارة الاختلاف داخل مؤسساتها، وعلى حماية مواطنيها، وعلى منع تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

ولهذا فإن الحوار السوداني القادم ينبغي أن يكون أكثر من عملية تفاوض. يجب أن يكون عملية لاستعادة السياسة نفسها من قبضة الحرب.

السياسة يجب أن تعود إلى المجتمع، والسلطة يجب أن تعود إلى المؤسسات، والسلاح يجب أن يعود إلى إطار الدولة والقانون، والقرار الوطني يجب أن يعود إلى الشعب.

عندها فقط يمكن للسودان أن يبدأ الخروج الحقيقي من أزمته.

إن السؤال الذي يجب أن يواجهه كل طرف سوداني، وكل وسيط إقليمي، وكل مؤسسة دولية، ليس: من سيحصل على السلطة بعد الحرب؟ وإنما: كيف نمنع السودان من إنتاج حرب جديدة بعد انتهاء الحرب الحالية؟

والإجابة تبدأ من رفض المنهج الذي أنتج الأزمات السابقة.

لا مزيد من الاتفاقيات التي تكافئ القوة على حساب الشرعية. لا مزيد من المحاصصات التي تجعل الدولة ملكاً للنخب. لا مزيد من المراحل الانتقالية المفتوحة بلا مؤسسات. لا مزيد من التمويل السياسي الخارجي غير الشفاف. لا مزيد من إقصاء المجتمع عن صناعة مستقبله. ولا مزيد من التسويات التي تؤجل جذور الأزمة بدلاً من معالجتها.

السودان يحتاج إلى بداية مختلفة.

بداية تقوم على أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن الدولة هي الإطار الجامع، وأن الدستور هو المرجعية، وأن القانون فوق الجميع، وأن السلاح لا يمنح حقاً سياسياً، وأن المشاركة لا تُقاس بالقدرة على فرض الأمر الواقع، وأن المجتمع الدولي شريك في السلام وليس بديلاً عن الإرادة السودانية.

إن السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد لتقاسم السلطة بين أطراف الأزمة؛ إنه يحتاج إلى عقد وطني يعيد تأسيس الدولة ويعيد تعريف الشرعية ويمنح المجتمع موقعه الطبيعي في صناعة مستقبله.

وهذه ليست دعوة إلى إقصاء أحد، بل إلى إخضاع الجميع لقاعدة واحدة؛ لا أحد فوق الدولة، ولا أحد فوق القانون، ولا أحد يمتلك السودان وحده.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن تأجيل القضايا الجوهرية لا يلغيها، وأن السلام الذي لا يعالج جذور الصراع ليس إلا هدنة مؤجلة الانهيار. ولذلك فإن اللحظة الحالية، رغم قسوتها، يمكن أن تتحول إلى نقطة تحول تاريخية إذا امتلك السودانيون والشركاء الدوليون الشجاعة السياسية للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، ومن هندسة التسويات إلى تأسيس الدولة.

إن مستقبل السودان لن تحدده طاولة المفاوضات وحدها، ولن تصنعه البنادق، ولن تقرره العواصم الخارجية. سيحدده السودانيون عندما يقررون أن الدولة ليست غنيمة، وأن السلطة ليست ملكاً للنخب، وأن السلام ليس مجرد توقف للقتال، وأن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما منظومة متكاملة من المؤسسات والحقوق والعدالة والمساءلة.

وعندها يصبح الحوار بدايةً حقيقية لإنهاء الحرب، لا محطةً جديدة لإعادة إنتاجها؛ ويصبح السلام تأسيساً للدولة، لا مجرد تسوية بين أطراف الصراع؛ ويصبح السودان وطناً تصنع مستقبله إرادة شعبه، لا موازين القوة ولا إرادات الخارج.

ذلك هو العقد الوطني الذي يحتاجه السودان الآن، وتلك هي الفرصة التاريخية التي لا ينبغي أن تُهدر مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى