
بقلم: د. رانيا عبد السلام عثمان الصيد
خرج كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية ليعلن التزام واشنطن بالسلام.
في السودان خطة من خمسة محاور. وفي سد النهضة استعداد للوساطة. وفي ليبيا دعم للجهود الليبية. وفي البحر الأحمر مواجهة للحوثي.
كلام مرتب، ولغة دبلوماسية هادئة. لكن خلف الكلمات رسالة واحدة واضحة: الحضور بلا حسم، والمتابعة بلا التزام.
*السودان.. خطة بلا ضغط*
قال إن لا حل عسكرياً للأزمة، وإنهم يعملون على هدنة إنسانية وإنهاء الدعم الخارجي للأطراف. وتحدث عن وصول المساعدات وحماية المدنيين ومسار سياسي بقيادة مدنية.
كل ذلك جميل على الورق. لكنه لم يُسمِ من يمول الحرب، ولم يقل كيف سيُجبر على التوقف. طالما ظلت البنادق تصل من خلف الحدود، فالهدن ستكون مؤقتة، والخطة ستبقى حبراً على ورق.
*سد النهضة.. إحالة إلى الخبراء*
أعلن استعداد الرئيس للوساطة، ودعا المصريين والإثيوبيين والسودانيين إلى حلول فنية. وكأن نهراً يجري منذ آلاف السنين يمكن تقسيمه في غرف مغلقة بمعادلات هندسية.
الموقف الأميركي هنا هو موقف المتفرج الذي يشجع على الحوار. لا ضغط، ولا جدول زمني، ولا إلزام. والنتيجة معروفة سلفاً: مفاوضات بلا نهاية.
*ليبيا.. رفع اليد المقنع*
هنا جاء الكلام الأقصر والأخطر.
“هدفنا دعم الجهود الليبية لتوحيد الاقتصاد والأمن والمؤسسات”.
“تفاصيل الاتفاقات ترجع إلى الليبيين أنفسهم”.
جملتان تكفيان لشرح الموقف كله.
أن يُترك ملف بهذا التعقيد “لليبيين أنفسهم” في وقت تملأ فيه القواعد الأجنبية الأرض، وتتحكم فيه شبكات المرتزقة، وتُدار فيه الموانئ النفطية من خارج الحدود، فهذا ليس دعماً. هذا تخلي.
يكفي أن يُشار إلى ميزانية موحدة بعد 13 سنة، وإلى تدريبات عسكرية مشتركة، فيُقال إن هناك تقدماً. بينما يبقى السلاح موزعاً، وتظل الحكومتان، ويظل المرتزق يغير لافتته من مقاتل إلى حارس منشأة.
واشنطن اختارت أن تضع ليبيا في الثلاجة. مستقرة بما يكفي كي لا يتوقف النفط، وهادئة بما يكفي كي لا تتحرك قوارب الهجرة. لكنها غير معنية بإغلاق الملف. غير معنية بأن تقول لشركائها الإقليميين اخرجوا.
*البحر الأحمر.. حيث يبدأ الاهتمام الحقي*
الفرق كان فاضحاً في الحديث عن الحوثي. هنا تحولت اللغة. استراتيجية أمن قومي، حرية ملاحة، الوقوف إلى جانب السعودية.
لأن الأمر هنا يمس المصالح الأميركية مباشرة. فكان القرار والحزم. أما ليبيا والسودان وسد النهضة فهي ملفات يمكن إدارتها، ويمكن تأجيلها.
الخلاصة
ما قدمه مسعد بولس ليس خريطة طريق. هو إعلان إدارة أزمات.
ملفات تُجمد لا تُحل.
في السودان خطة بلا أدوات إلزام.
وفي سد النهضة وساطة بلا إرادة.
وفي ليبيا “دعم” يعني في جوهره: دبروا أمركم.
والخطر أن يُفهم هذا الصمت على أنه حياد. والحياد اليوم في ليبيا هو انحياز صريح للوضع القائم. انحياز للانقسام، وللسلاح المستأجر، وللاتفاقيات التي تحولت إلى عقود حرب دائمة.
لن يُغلق ملف ليبيا من الخارج ما دام الخارج طرفاً فيه.
ولن يُفتح من الداخل ما دام القرار يُوزن بعملات لا نطبعها.
وبين التصريحات عن السلام، يستمر الواقع في إنتاج مزيد من الفوضى.



