عبد الإله النور يكتب : مطارات السودان… أكيد قلم الظلم مكسور

ليست قوة المؤسسات فيما تمتلكه من مبانٍ ومعدات، وإنما فيما تبنيه من ثقة بينها وبين العاملين فيها. فالعامل الذي يشعر بالإنصاف يمنح مؤسسته كل ما يملك من خبرة وإخلاص، أما إذا شعر بأن حقوقه أصبحت مؤجلة، وأن صوته لا يجد من يصغي إليه، فإن الأزمة تتحول من مجرد مطالب وظيفية إلى أزمة إدارة وثقة.

ما يجري اليوم داخل شركة مطارات السودان المحدودة يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فقد أعلن عدد من العاملين تمسكهم بمواصلة خطواتهم التصعيدية حتى تستجيب الإدارة لمطالب يرونها عادلة، تتعلق بتحسين شروط الخدمة، ومعالجة أوضاعهم المهنية والمعيشية التي ظلت، بحسب قولهم، حبيسة الأدراج لسنوات دون حلول حقيقية.

ومن حق أي إدارة أن تحافظ على انضباط المؤسسة، لكن من واجبها أيضاً أن تستمع إلى العاملين قبل أن تطالبهم بالصبر. فالمؤسسات لا تُدار بالأوامر وحدها، وإنما بالحوار، ولا تستقر بالقرارات المنفردة، وإنما بالشراكة والثقة المتبادلة.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو حالة الإحباط التي بدأت تتسع تجاه نقابة العاملين، وهي الجهة التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن حقوق الموظفين. فالنقابة ليست مجرد واجهة تنظيمية أو منصة لإصدار البيانات، بل هي شريك أصيل في تحقيق التوازن بين الإدارة والعاملين، وعندما يفقد العامل ثقته في نقابته، فإن ذلك يعد مؤشراً على وجود خلل يستوجب المراجعة.

أما ملف العلاج، فقد أصبح جرحاً مفتوحاً في جسد المؤسسة. فالنظام الجديد للتأمين الصحي، الذي يقصر التغطية على الموظف وستة أفراد من أسرته، قد يكون مقبولاً في بيئات اقتصادية مستقرة، لكنه يبدو بعيداً عن واقع الأسرة السودانية التي تتسع مسؤولياتها الاجتماعية، وفي ظل الارتفاع غير المسبوق لتكاليف العلاج، يصبح التأمين الصحي الحقيقي ضرورة، لا ميزة إضافية يمكن الاستغناء عنها.

إن الإدارة الناجحة لا تنتظر حتى تتحول المطالب إلى احتجاجات، ولا تسمح بأن تتراكم الملفات حتى تبلغ مرحلة الانفجار. فالحوار المبكر أقل تكلفة من معالجة الأزمات، والاستماع للعاملين أكثر جدوى من تجاهلهم.

وشركة مطارات السودان ليست مؤسسة عادية، فهي أحد أهم مرافق الدولة، والبوابة التي تعكس صورة البلاد أمام العالم. ولذلك فإن استقرارها يبدأ من استقرار العاملين فيها، وتحسين بيئة العمل، وتحقيق العدالة في الحقوق والواجبات، وتقدير الإنسان الذي يدير هذا المرفق الحيوي في أصعب الظروف.

إن المرحلة الحالية تتطلب من الإدارة مبادرة شجاعة لفتح حوار جاد ومسؤول، بعيداً عن لغة التصعيد أو كسر الإرادات. كما تتطلب من النقابة أن تعود إلى دورها الطبيعي، ممثلةً للعاملين ومدافعةً عن حقوقهم، لا متفرجة على ما يدور حولها.

فالحقوق لا تسقط بالتقادم، والمطالب العادلة لا تُواجه بالتجاهل، لأن العدالة المؤجلة كثيراً ما تتحول إلى احتقان يصعب احتواؤه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان: أن المؤسسة التي تنصف العاملين فيها، إنما تنصف نفسها أولاً، وأن الظلم مهما طال عمره، فإن نهايته محتومة.

ولهذا نقول بثقة: إن قلم الظلم… مكسور، وسيظل مكسوراً ما دام هناك من يطالب بحقه بالحكمة، ويحمي مؤسسته بالإخلاص، ويؤمن بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى العدالة.

Exit mobile version