في زمنٍ تتزاحم فيه الأسئلة حول مستقبل السودان، تأتي هذه المكاشفة لتطرح رؤيةً تنطلق من الإنسان، وتؤسس لبناء الدولة على قيم العدالة، وسيادة القانون، والحوكمة، والتنمية المستدامة. حوار لا يكتفي بتشخيص التحديات، بل يقدم تصوراً متكاملاً لوطنٍ يبدأ بالمواطن، وتنهض مؤسساته بالكفاءة، ويستعيد ثقة شعبه، ويعزز مكانته بين الأمم.
ضيف الحوار: د. إسامة الفاتح العمري المرشح لمنصب رئيس وزراء السودان.
حوار: خالدة ودالمدني
1/ من وجهة نظركم، ما أكثر مشكلة في السودان ستكون لها الأولوية؟ ولماذا اخترتم البدء بها دون غيرها؟
في تقديري، تكمن المشكلة الأكبر في السودان في غياب الدولة العادلة والقادرة التي يثق بها المواطن. فعندما تضعف مؤسسات الدولة، ينعكس ذلك على الأمن والاقتصاد والتعليم والصحة، ويمتد أثره إلى الاستقرار العام والنسيج الاجتماعي.
لذلك، فإن أولويتنا هي استعادة الدولة وهيبتها، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات الحكم على أسس الكفاءة والنزاهة والشفافية. غير أن بناء المؤسسات وحده لا يكفي، لأنها لا تنهض إلا بإنسان واعٍ ومسؤول يؤمن بها ويحافظ عليها.
2/ ما أقصى مدة زمنية ترون أنها كافية للحكم بأن مشروعكم يسير في الاتجاه الصحيح؟ وما المؤشرات التي يجب أن يلمسها المواطن ليقول إن المشروع يسير كما خُطط له؟
لا ينبغي أن يُطلب من المواطن الانتظار طويلاً لتقييم أي مشروع؛ فالتقييم يبدأ منذ اليوم الأول، من وضوح الرؤية، والبرنامج المعلن، والقرارات الجادة. فالمواطن قادر على التمييز بين من جاء ليعمل ومن جاء ليؤجل الأزمات.
وحين تلتزم الدولة بالصدق، والشفافية، وسيادة القانون، فإنها تستعيد ثقة المواطن منذ اللحظة الأولى. وما يحتاجه السودان اليوم ليس معجزة، بل إدارة رشيدة تُنير الطريق نحو المستقبل.
3/ ذكرتم أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة، وأن ترميم النسيج الاجتماعي يمثل أولوية في مشروعكم. ما أول قضية ستبدؤون بمعالجتها؟ وكيف تترجمون ذلك إلى سياسات عامة تعيد تماسك المجتمع؟ وما دور الدولة، وأين يبدأ دور المجتمع؟
أولى أولوياتنا هي استعادة الثقة؛ ثقة الإنسان بنفسه، وبمجتمعه، وبوطنه، وتعزيز ثقة محيطنا الإقليمي والدولي في السودان. فالحروب والانقسامات لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل خلّفت جراحاً عميقة في النفوس.
لذلك، فإن إعادة الإعمار تبدأ بإعمار الإنسان، عبر إصلاح التعليم، ودعم الإعلام، وترسيخ قيم المواطنة والعدالة، ومحاربة خطاب الكراهية، وتشجيع المبادرات المجتمعية التي تعيد التلاحم بين أبناء الوطن.
وتتمثل مسؤولية الدولة في حماية الحقوق، وتكافؤ الفرص، وترسيخ سيادة القانون، بينما يضطلع المجتمع بإحياء قيم التسامح والتعاون والمسؤولية المشتركة. فنحن نؤمن بأن بناء الإنسان ليس برنامجاً اجتماعياً، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة. وإذا استعدنا ثقة الإنسان في وطنه، فقد وضعنا الأساس لاستعادة ثقة الوطن في مستقبله.
4/ غالبًا ما تتعثر مشروعات إصلاح المجتمع في ظل التنوع الثقافي والقبلي والعقائدي، واختلاف البيئات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تراكمات الحروب وإفرازاتها. كيف سيتعامل مشروعكم مع هذه التحديات؟
أعتقد أن من أكبر أخطائنا أننا تعاملنا مع التنوع باعتباره مشكلة، بينما المشكلة الحقيقية كانت في سوء إدارته. وأنطلق في ذلك من مبدأ إنساني راسخ؛ فكلنا لآدم وآدم من تراب.
هدفنا أن نجعل التنوع مصدر قوة وإبداع، لا سبباً للخلاف، عبر دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وعدالة توزيع الفرص، والتنمية المتوازنة، واحترام جميع مكونات المجتمع.
كما سنعمل على ترسيخ هوية وطنية جامعة، يكون فيها الانتماء الأول للسودان. فإذا اتفقنا على معايير واحدة للحق والعدل، أصبح التنوع مصدر ثراء حضاري لا سبباً للصراع. فالاختلاف سنة من سنن الحياة، أما وحدتنا فهي قرار نصنعه بإرادتنا وعدالتنا.
5/ عوّلتم على الرقابة داخل الجهاز التنفيذي، فما الضمانات التي تحول دون أن تصبح هي نفسها مدخلًا للفساد أو النفوذ، بدلًا من أن تكون أداةً لمكافحته؟
لا توجد مؤسسة في الدولة فوق المساءلة، بما في ذلك أجهزة الرقابة نفسها. فالرقابة ليست حصانة، بل مسؤولية تستوجب أعلى درجات الشفافية والمحاسبة.
ولذلك، سنبني منظومة رقابية متكاملة تقوم على استقلال القضاء، وشفافية الإجراءات، والإفصاح المالي، والتحول الرقمي، وحماية المبلغين، وحرية الوصول إلى المعلومات، مع ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز دور البرلمان والإعلام والمجتمع في الرقابة.
فمكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات، وإنما بمنظومة تجعل الفساد أكثر كلفة من النزاهة، وتضمن تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
6/ في ظل محدودية الموارد، ما المعايير التي ستعتمدون عليها في توزيع الخدمات؟ وما خططكم المرحلية للمناطق التي ما زالت تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات حتى لا تنتظر اكتمال برامج التنمية الشاملة؟
المواطن لا ينبغي أن ينتظر، لأن البرنامج الإسعافي ليس مرحلة منفصلة عن المشروع الوطني، بل جزء أصيل منه. وسنعتمد في توزيع الخدمات على معايير موضوعية، أهمها حجم الحاجة، وعدد السكان، ومستوى الحرمان، وآثار الحرب، بعيداً عن أي نفوذ سياسي أو جغرافي.
كما سننتقل من معالجة الأزمات إلى بناء الحلول، ومن التوازنات الجزئية إلى رؤية وطنية شاملة تعمل من خلالها مؤسسات الدولة لتحقيق العدالة بين جميع السودانيين. فالخدمات الأساسية ليست منحة من الدولة، بل حق للمواطن وواجب على الدولة.
7/ يتمتع السودان بموارد طبيعية كبيرة ومتنوعة، غير أن التحدي يبدو في إدارتها. ما خطتكم لإدارتها؟ وكيف سينعكس تصوركم لاستقرار المواطن بوصفه مدخلًا لاستقرار الاستثمار على ترتيب سياساتكم الاقتصادية، بينما يرى آخرون أن الاستثمار هو المدخل لاستقرار المواطن؟
السودان ليس دولة فقيرة، بل دولة أُديرت مواردها لعقود بكفاءة أقل مما تستحق. فنحن نمتلك أراضي زراعية، ومياهاً، وثروات معدنية، وموقعاً استراتيجياً، وطاقات بشرية كبيرة، وما نحتاجه هو إدارة حديثة تقوم على الشفافية، والحوكمة، والتخطيط العلمي، وتعظيم القيمة المضافة لمواردنا.
ولا أرى تعارضاً بين مصلحة المواطن والاستثمار، بل أراهما متكاملين؛ فاستقرار المواطن هو الضمان الحقيقي لاستقرار الاستثمار، لأن المستثمر يبحث عن دولة مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة كفؤة، ومجتمع يسوده العدل والأمان.
لذلك، فإن المواطن ليس عبئاً على الاقتصاد، بل هو أكبر استثمار يمكن أن تقوم به الدولة، ومصدر قوتها الاقتصادية.
8/ تحدثتم عن الجمع بين دعم المشروعات والإعانات النقدية. ما المعايير التي ستعتمدونها لتحقيق التوازن بينهما؟ وكيف تضمنون انتقال المواطن من متلقٍ للدعم إلى منتج يعتمد على دخل مستدام؟
يرتكز برنامجنا على أن يكون المواطن محور جميع السياسات، لذلك سنوفر البيئة التي تمكنه من الإنتاج، ونعمل على إزالة الأعباء التي أعاقت قدرته على العمل والعطاء.
وننظر إلى الإعانات باعتبارها وسيلة مؤقتة لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، لا بديلاً عن التنمية. فهدفنا هو تمكين المواطن عبر التدريب، والتأهيل، ودعم المشروعات، حتى يعتمد على قدراته ويصبح شريكاً في التنمية.
كما نؤمن بأن التنمية لا تقتصر على الاقتصاد، بل تبدأ ببناء الوعي، لأن نجاح الدولة مسؤولية مشتركة بين الحاكم والمواطن. فالدول لا تُبنى بالموارد وحدها، بل تُبنى بالإنسان، والوعي، والقيم.
9/ أشرتم إلى أهمية بناء علاقات خارجية مرنة تخدم مصالح السودان. كيف ترسمون الحد الفاصل بين مرونة العلاقات والحفاظ على استقلال القرار الوطني؟ وما المعايير التي ستحتكمون إليها لتحقيق هذا التوازن؟
أؤمن بأن العلاقات بين الدول، كالعلاقات بين الأفراد، تقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والالتزام بالقيم والمبادئ. لذلك، سنبني سياستنا الخارجية على مصلحة السودان وإحترام سيادته، بعيداً عن الشعارات أو الاصطفافات.
كما أؤمن بأن مكانة الدولة في الخارج تبدأ من عدالة الدولة في الداخل؛ فكلما أنصفت شعبها، واحترمت القانون، ازدادت ثقة العالم بها.
بالتالي ستكون سياستنا الخارجية منفتحة على الجميع، دون تبعية لجهة أو عداء مجاني لجهة، بما يعزز التنمية ومكانة السودان إقليمياً ودولياً. فالاحترام في الخارج يبدأ بالعدل في الداخل.
10/ إذا اصطدمت بعض إستراتيجياتكم بواقع السودان وتعقيداته، فما المعايير التي ستحتكمون إليها عند مراجعة السياسات أو تعديلها؟
لا يوجد مشروع ناجح يرفض مراجعة نفسه، لكننا نفرق بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل. فالعدالة، وسيادة القانون، وبناء الإنسان، ومحاربة الفساد مبادئ لا مساومة عليها، أما وسائل التنفيذ فتخضع للتقييم المستمر وفق مؤشرات أداء واضحة ونتائج ملموسة.
فنحن لا نعمل من أجل البقاء في السلطة، بل من أجل تحقيق مصلحة الوطن. وإذا أثبت الواقع أن وسيلةً ما لم تحقق أهدافها، فلن نتردد في مراجعتها وتصحيحها، لأن نجاح الوطن أهم من التمسك بقرار خاطئ.
فالحكمة ليست في التمسك بالطريق، بل في الثبات على الهدف، مع امتلاك الشجاعة لتصحيح المسار.
11/ في حال تعثر مسار التنفيذ أمام تعقيدات الواقع السوداني، فما الاستراتيجية التي ستقود قراراتكم في تلك المرحلة؟ وكيف تفرقون بين تعديل المسار والتراجع عنه؟ وهل ترون أن هناك مواقف يصبح فيها التوقف المؤقت أو إعادة ترتيب الأولويات جزءًا من نجاح المشروع لا فشله؟
إدارة الدولة ليست سباقاً في إطلاق الوعود، بل مسؤولية تقتضي الصدق مع الشعب، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وقد تفرض الظروف إعادة ترتيب الأولويات أو تعديل وسائل التنفيذ، لكن ذلك لا يعني التخلي عن المشروع، بل الحفاظ عليه.
فالفرق كبير بين تعديل المسار والتخلي عن الهدف. وستظل غايتنا ثابتة: بناء دولة عادلة، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، ومجتمع متماسك، وإنسان قادر على أن يعيش بكرامة ويسهم في نهضة وطنه.
فالحكمة ليست في التمسك بالطريق، بل في الثبات على الهدف، مع امتلاك الشجاعة لتصحيح المسار. فالدولة الناجحة ليست التي لا تواجه التحديات، بل التي تتعلم منها، وتصوب أخطاءها، وتواصل السير بثبات.
