دكتورة شذي الشريف تكتب: الموانئ البحرية… حين يصبح الإعلام شريكاً في حماية الاقتصاد الوطني

في الدول التي تدرك قيمة مؤسساتها الاستراتيجية، لا تُنظر إلى الموانئ باعتبارها مجرد أرصفة تستقبل السفن أو ساحات لتداول البضائع، وإنما باعتبارها بوابات السيادة الوطنية، ومحركات الاقتصاد، ومؤشراً على قدرة الدولة على الاستمرار والإنتاج والانفتاح على العالم.
وفي السودان، اكتسبت هيئة الموانئ البحرية بعداً استراتيجياً أكبر خلال سنوات الحرب، إذ أصبحت تمثل الشريان الاقتصادي الأهم للبلاد، بعد أن ظلت تستقبل الجزء الأكبر من حركة الواردات والصادرات، وتحافظ على انسياب السلع الأساسية، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية واللوجستية. ولم يكن استمرار عملها إنجازاً إدارياً فحسب، بل كان موقفاً وطنياً أسهم في صمود الدولة واستقرارها.
وخلال زيارتي لهيئة الموانئ البحرية ومعي السيد الأمين العام الأستاذ بكري المدني ولقائي بالدكتور سيدنا حامد، مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة والمواسم، لمست حجم الجهد الذي يُبذل خلف الكواليس لإدارة الصورة المؤسسية لهذا الصرح الاقتصادي الكبير. فالإعلام هنا لا يقتصر على نشر الأخبار أو تغطية المناسبات، بل أصبح جزءاً من منظومة العمل الاستراتيجي، وشريكاً في حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقة المستثمرين والرأي العام.
ولعل ما يميز إدارة الإعلام بالموانئ البحرية أنها لم تكتفِ بممارسة العمل الإعلامي التقليدي، وإنما استطاعت أن تؤسس لتجربة متقدمة في الإعلام المؤسسي، مستفيدة من كوادرها المهنية وإمكاناتها الفنية، وعلى رأسها استديو الموانئ، الذي يُعد من أبرز الاستديوهات الحكومية في السودان.
وخلال فترة الحرب، برز هذا الدور بصورة أكثر وضوحاً، عندما انتقل تلفزيون السودان إلى ولاية البحر الأحمر، فوجد في استديوهات وتجهيزات هيئة الموانئ البحرية منصة وطنية أسهمت في استمرار البث التلفزيوني، في موقف يجسد مسؤولية المؤسسة تجاه الدولة، ويؤكد أن الموانئ لم تكن تحمي الاقتصاد فحسب، بل أسهمت كذلك في حماية الرسالة الإعلامية الوطنية في واحدة من أصعب مراحل البلاد.
هذا الدور الاستثنائي جعل من إعلام الموانئ البحرية نموذجاً للإعلام الشامل؛ إعلام يخدم المؤسسة، ويدعم الاقتصاد، ويساند الدولة، ويتفاعل مع المجتمع، ويواكب الأحداث الوطنية بمهنية ومسؤولية. وهي تجربة تستحق الدراسة والتوثيق، لأنها تقدم نموذجاً متقدماً للإعلام الحكومي عندما تتوافر له الرؤية والإدارة والإمكانات.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار بصورة أكبر في هذا القطاع، من خلال بناء استراتيجية إعلامية حديثة، وتطوير المحتوى الرقمي، وإنتاج الأفلام الوثائقية، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الاقتصادية والإعلامية الإقليمية والدولية، حتى تعكس الصورة الحقيقية للموانئ السودانية وما تمتلكه من إمكانات وفرص واعدة.
لقد خرجت من هذا اللقاء بقناعة راسخة أن هيئة الموانئ البحرية لا تدير المرافئ وحدها، وإنما تدير جزءاً مهماً من مستقبل الاقتصاد السوداني، وأن إدارة الإعلام والعلاقات العامة تمثل أحد أعمدة هذا النجاح، بما تقوم به من جهود كبيرة في التعريف برسالة الهيئة، وإبراز إنجازاتها، وصناعة صورتها الذهنية.
ختاماً، فإن الموانئ ليست مجرد سفن تدخل وأخرى تغادر، وليست حاويات تُشحن وتُفرغ، وإنما هي عنوان لهيبة الدولة، وبوابة لاقتصادها، ورسالة إلى العالم بأن السودان، رغم الحرب والتحديات، ما زال يمتلك مؤسسات وطنية تعمل بكفاءة واقتدار، وما زال قادراً على البناء والإنتاج. وعندما يكون الإعلام شريكاً في هذه الرسالة، فإنه يصبح أحد أهم أدوات القوة الوطنية، وحارساً للرواية السودانية، وصانعاً للأمل في مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
د.شذي الشريف
مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

Exit mobile version