كلما اشتدت المحنة في مدينة الأبيض عاد الحديث عنها محملاً بالتحذيرات والسيناريوهات القاتمة وتعلو الأصوات التي تتنبأ بانهيار المدينة بينما يواصل أهلها كتابة فصل جديد من الصمود الذي طالما ميّزهم في أحلك الظروف.
الأبيض مدينةً خبرت الحصار والقصف والهجمات المتكررة وصمد أهلها سنوات طويلة في مواجهة المدافع والطائرات المسيّرة حتى انفتح الطريق إليها مجدداً وعادت خطوط الإمداد تتحرك بصورة أفضل مما كانت عليه في بدايات الحرب.
ورغم الضجيج الذي يحيط بالمشهد فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأبيض اليوم لا يتمثل فقط في قصف المسيرات أو المدافع بل تحدي معركة الخدمات الأساسية التي تمثل خط الدفاع الأول عن بقاء السكان داخل مدينتهم.
ليست كل الحروب تُخاض بالرصاص فثمة مدن تُستهدف أولًا في شرايين الحياة قبل أن تُستهدف في متاريس القتال
فاستهداف محطات المياه والكهرباء خلّف واقعاً بالغ القسوة، وأصبح الحصول على المياه في أجزاء واسعة من المدينة معاناة يومية تثقل كاهل السكان، بينما يزيد انقطاع الكهرباء من حجم الأزمة الإنسانية.
ولعل أخطر ما تواجهه المدن في أوقات الحرب هو انهيار مقومات الحياة فعندما يعجز المواطن عن الحصول على الماء وتتوقف وسائل النقل بسبب شح الوقود
ويضطر الطلاب إلى السير لمسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم تصبح الحياة نفسها معركة يومية لا تقل قسوة عن أي مواجهة عسكرية.
ما يحدث في الأبيض يعيد إلى الأذهان نمطاً متكرر للمليشيا
في مدن أخرى
حيث تبدأ بالعطش ثم تتفاقم إلى التجويع وتعطل كافة الخدمات قبل أن تدخل المدينة في دائرة حصار شامل يستنزف المدنيين
ومن هنا، فإن الواجب الوطني يفرض أن تتحول قضية الأبيض إلى أولوية قصوى للدولة. فإسناد حكومة ولاية شمال كردفان لا يكون التصريحات فقط وإنما بتشكيل غرف طوارئ ولجان عليا تعمل على مدار الساعة لإعادة تشغيل محطات المياه والكهرباء، وتأمين الوقود، وتعزيز الخدمات الصحية، حتى تبقى المدينة قادرة على الصمود في وجه هذه الظروف الصعبة.
كما أن الحفاظ على الأبيض بالجاهزية الأمنية والعسكرية وحدها لحماية المدينة وسكانها، وإنما أيضًا بحماية مقومات الحياة داخلها.
مع قراءة دقيقة للمتغيرات الميدانية واتخاذ ما يلزم من إجراءات تحول دون تفاقم الأوضاع
لقد أثبتت الأبيض، مرة بعد أخرى، أنها مدينة لا تستسلم بسهولة وأن أهلها يمتلكون إرادة استثنائية في مواجهة المحن
لكن الإرادة الشعبية مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن مسؤولية الدولة في حماية المواطنين وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
إن إنقاذ الأبيض اليوم يبدأ من الماء والكهرباء قبل أي شيء ومن الوقود قبل أي خطاب. فصمود المدن لا يُقاس فقط بما تملكه من متاريس، وإنما بما تستطيع توفيره لأبسط مقومات الحياة لسكانها … فالأبيض تقاتل من أجل البقاء.
