العلاقة بين مصر والسودان أكبر من أن توصف بأنها علاقة جوار. هي شراكة مصير وتاريخ وجغرافيا ودم مشترك، لا تسير وفق أمزجة أصوات نشاز تظهر بين الحين والآخر، وربما تكون مدفوعة عمداً لإحداث شرخ لا يخدم إلا أعداء البلدين. فالارتباط بين شعبي وادي النيل أعمق من أن يختزله منشور أو تغريدة أو رأي فردي لا يعبر إلا عن صاحبه.
لقد تجاوز الشعبان والحكومتان مرحلة سابقة لن تعود، ودخلت العلاقات بين البلدين أفضل حالاتها. اليوم نحن أمام مسار واضح يمضي نحو غاياته بثبات، بعيداً عن تقلبات الإعلام أو محاولات التشويش. فالدولتان تدركان أن أي تراجع أو فتور في العلاقة هو خسارة استراتيجية للطرفين، والرهان الآن على تعميق التكامل لا على افتعال الخلاف.
وخير دليل على ذلك أن التنسيق المصري السوداني يمضي بشكل ممتاز على كل المستويات: السياسية، الأمنية، الاقتصادية، والخدمية. وما زيارة وزير الخارجية السوداني الأخيرة إلى القاهرة إلا تأكيد عملي على هذا الاتجاه. فالزيارات المتبادلة والاجتماعات الفنية والملفات المشتركة كلها تؤكد وجود إرادة سياسية حقيقية لترجمة الأخوة التاريخية إلى مشاريع ملموسة تخدم المواطن في البلدين.
أما مواقف مصر الداعمة للسودان فهي واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى إثبات أو مزايدة. مصر كانت وستظل السند السياسي والدبلوماسي والإنساني للسودان في المحافل الإقليمية والدولية وفي أحلك الظروف. هذا الموقف الثابت نابع من إدراك أن أمن السودان هو امتداد لأمن مصر، وأن استقرار الخرطوم هو استقرار للقاهرة.
أما بعض الناشطين في الميديا الذين يطلقون آراء حادة أو مقارنات مفخخة، فهم لا يعبرون بالتأكيد عن آمال وتطلعات الشعبين. فلكل مجتمع أشخاص لا يمثلونه، وأصوات تبحث عن التفاعل أكثر من بحثها عن الحقيقة. أما الشعوب والحكومات المسؤولة فتمضي إلى الأمام، وتبني على الثوابت، وتترك الضجيج لمن يملكون الوقت له.
في النهاية، مصر والسودان ماضيان في مسار لا رجعة فيه. مسار عنوانه التعاون الوثيق والتنسيق الاستراتيجي والمصالح المشتركة التي لا يمكن لأصوات نشاز أن تكسرها. فالتاريخ يشهد، والنيل يجمع، والمصير واحد.
