
يعرب مرصد مشاد عن بالغ قلقه إزاء التدهور الإنساني الحاد في ولاية شمال كردفان، حيث تجاوزت الأوضاع حدود الأزمات التقليدية والمجاعات إلى واقع كارثي يتسم باستهداف واسع ومنهجي لمقومات الحياة المدنية. إذ أدت الهجمات العشوائية المميتة التي تنفذها قوات الدعم السريع ضد الأعيان المدنية، بما في ذلك مصادر المياه والمستشفيات ومراكز الإيواء والأسواق والمرافق الخدمية الأساسية، إلى تفاقم غير مسبوق في معاناة السكان، ودفع مئات الآلاف إلى مواجهة خطر مباشر يهدد حياتهم نتيجة الجوع والمرض والنزوح.
ويعيش المدنيون في ظل انقطاع شبه كامل للخدمات الأساسية، بما يشمل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والأدوية والوقود، مع استمرار تدمير البنية التحتية الحيوية بصورة منهجية، وفرض ظروف معيشية قاسية تقوّض الحق في الحياة والكرامة الإنسانية. وفي الوقت ذاته، يواجه الفارون إلى مدينة الأبيض أوضاعاً إنسانية بالغة الخطورة، إذ تحولت المدينة إلى ملاذ يضم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون من النازحين القادمين من مناطق النزاع في غرب كردفان ومختلف أنحاء الإقليم، في ظل تراجع حاد في الموارد والخدمات الأساسية.
ويؤكد مرصد مشاد أن استمرار هذه الهجمات واستهداف المرافق المدنية يمثل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد يرقى إلى جرائم خطيرة بحق المدنيين إذا لم يتم التدخل العاجل لوقفه. كما يحذر من أن الاكتفاء بالصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعبير عن القلق لم يعد كافياً لحماية الأرواح أو منع تفاقم الكارثة، ولا سيما في ظل تجارب مأساوية سابقة شهدتها مناطق متعددة في السودان خلال هذه الحرب.
ويدعو المرصد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية والدولية والدول ذات التأثير إلى اتخاذ خطوات فورية وفعالة لضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووقف الهجمات الموجهة ضد الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، والعمل بشكل عاجل على منع تكرار الانتهاكات والمجازر واسعة النطاق التي شهدتها ولايات أخرى.
كما يناشد مرصد مشاد القوى المدنية والسياسية والحقوقية في السودان تجاوز الخلافات والحسابات الضيقة، وتوحيد الجهود الوطنية من أجل حماية المدنيين والدفاع عن حقهم في الحياة والأمن والكرامة، ووضع المصلحة الوطنية ومستقبل الأجيال فوق أي اعتبارات أخرى. فالمعركة الراهنة ليست صراع نفوذ أو سلطة، بل معركة إنقاذ شعب يواجه تهديداً وجودياً بفعل الحرب والجوع والنزوح والانهيار الشامل للخدمات.
إن حماية المدنيين مسؤولية أخلاقية وقانونية مشتركة لا تحتمل التأجيل، وكل يوم يمر دون تحرك فعّال يعني مزيداً من الأرواح المهددة وتفاقماً أكبر للمعاناة الإنسانية التي لا يجوز للمجتمع الدولي أن يقف أمامها موقف المتفرج. لقد حان الوقت للانتقال من مرحلة الإدانة إلى الفعل، ومن التعبير عن القلق إلى اتخاذ إجراءات عملية قادرة على إنقاذ الأرواح وصون ما تبقى من مستقبل السودان.


