أخر الأخبار

خبر وتحليل – عمار العركي – الشهيد / عبد الله يونس.. حين ينتصر المبدأ على الأسر*

▪️يرحل بعض الناس فيغيب الجسد وتبقى الذكرى، ويرحل آخرون فتتحول حياتهم ومواقفهم إلى شهادة قائمة بذاتها، تروي للأجيال معنى الثبات حين تتبدل المواقف، ومعنى الوفاء حين تشتد المحن. ومن هؤلاء كان العقيد أمن معاش عبد الله يونس عبد المولى ابن جبال النوبة الأبنوسي ، الذي غادر الدنيا أسيراً، لكنه رحل حراً في موقفه، ثابتاً على قناعته، متمسكاً بالعهد الذي قطعه على نفسه ووطنه.
▪️عرفت الساحة الجامعية عبد الله يونس شاباً متقد الذهن، واسع الثقافة، حاضر الحجة، مفوهاً في الخطابة والنقاش. وفي أروقة جامعة الخرطوم، حيث تخرج في كلية الزراعة عام 2000م، كان من أولئك الذين لا يكتفون بتلقي الأفكار، بل يسعون إلى مناقشتها والدفاع عنها وتطويرها. وقد ارتبط اسمه بالحركة الطلابية والعمل العام، حاملاً رؤية فكرية ومشروعاً وطنياً ظل يؤمن به حتى آخر أيامه.
▪️لم يكن عبدالله صاحب خطاب فقط، بل كان صاحب فعل أيضاً. حافظاً لكتاب الله، متشبعاً بقيمه ومعانيه، اختار أن تكون حياته ترجمة عملية لما يؤمن به. وحين كانت البلاد تواجه تحديات حروب الجنوب والغرب التي مضت، كان في الصفوف المتقدمة، متنقلاً بين أعالي النيل والنيل الأزرق وغرب النوير، ثم في دارفور، مؤدياً واجبه في صمت وتجرد. وبعد التحاقه بجهاز الأمن والمخابرات عام 2003م، عمل في عدد من المواقع التنفيذية، مكتسباً خبرة واسعة وعلاقات مهنية وإنسانية جعلته محل احترام زملائه ومعارفه.
▪️غير أن أكثر ما يميز سيرة عبد الله يونس لم يكن ما قدمه في سنوات الخدمة فحسب، بل الطريقة التي واجه بها محنته الأخيرة. ففي بدايات الحرب، تعرض لضغوط وإغراءات متكررة للانضمام إلى قوات الدعم السريع، مستغلين معرفتهم السابقة به ومكانته المهنية. لكن الرجل الذي ظل طوال حياته مؤمناً بما يراه حقاً لم يبدل موقفه ولم يساوم على قناعته. وحين اشتدت الضغوط عليه في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض ، اختار المغادرة متوجهاً نحو شرق النيل بولاية الخرطوم ، وكان يخطط للنزوح إلى منطقة القريشة بولاية القضارف حيث يملك مشروعاً زراعياً، باحثاً عن حياة آمنة وهادئة تجمع بين الزراعة والاعتماد على النفس، بعيداً عن أجواء الحرب وصخبها.
إلا أن الأقدار كانت تخبئ له طريقاً آخر.
▪️فقد تم اعتقاله من منزل شقيقته بمدينة الفيحاء بشرق النيل في فبراير 2024م، ليبدأ فصل طويل من المعاناة في معتقلات الدعم السريع. تنقل بين سجن الرياض بالخرطوم ثم معسكرات الاحتجاز في جبل أولياء ، قبل أن ينتهي به المطاف في سجن دقريس بمدينة نيالا.
▪️وطوال شهور الأسر، لم تتوقف محاولات الضغط عليه، ولم تتوقف المساومات التي استهدفت انتزاع موقف مختلف منه، لكنه ظل ثابتاً كما عرفه الجميع، صامدا راكزاً ،لا يبيع قناعته ولا يتخلى عن مبادئه. صابراً على الأسر، محتسباً للأذى، متحملاً قسوة الظروف التي عاشها بعيداً عن أسرته وأهله وأحبته.
▪️وفي سبتمبر 2025م، وبعد معاناة مع مرض الكوليرا وحرمان من الرعاية الصحية الكافية، أسلم عبد الله يونس الروح إلى بارئها داخل سجن دقريس بنيالا. لكن المفارقة المؤلمة أن خبر وفاته ظل غائباً عن أسرته لأشهر طويلة، حتى وصل النبأ عبر بعض من شاركوه الأسر، ليعود الرجل إلى أهله شهيداً في الذاكرة وإن غاب الجسد.
▪️لقد مات عبد الله يونس بعيداً عن أهله، لكنه لم يمت وحيداً. فقد ترك وراءه سيرة رجل جمع بين حفظ القرآن والثقافة الواسعة، وبين الفكر والعمل، وبين الكلمة والموقف. ترك نموذجاً لإنسان ظل وفياً لما يؤمن به حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
▪️وفي زمن كثرت فيه التحولات والانقلابات على المبادئ، تبدو قصة عبد الله يونس تذكيراً بأن الرجال يُعرفون عند الشدائد، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يقول حين يكون آمناً، وإنما فيما يثبت عليه حين يصبح الثمن باهظاً.
▪️رحل عبد الله يونس، لكن سيرته ستبقى شاهدة على أن بعض الرجال قد تُقيد أيديهم، وقد تُغلق في وجوههم الأبواب، وقد يُحاصرون بالأسر والمرض والمعاناة، غير أن إرادتهم ومبادئهم تظل عصية على الانكسار.
▪️وقبل أن تطوي هذه الصفحة، وقبل أن تغادر سطور هذا المقال، توقف للحظة وارفع يديك إلى السماء. وادعُ لعبد الله يونس بالرحمة والمغفرة والقبول، وأن يجعل الله ما لقيه من أسرٍ ومرضٍ وصبرٍ وثباتٍ في ميزان حسناته، وأن يكرمه بمنزلة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.
▪️والدعاء، لعشرات الأسماء التي لا نعرفها، وخلف كل قصة تصلنا قصص أخرى لم تصل بعد. ادعُ لكل شهداء السودان الذين مضوا وهم يحملون همّ الوطن في قلوبهم، ولكل الجرحى الذين ما زالوا يصارعون الألم، ولكل الأسرى والمفقودين الذين ينتظرهم أهلهم صباحاً ومساءً، ولكل أمٍ ثكلى، ولكل زوجةٍ صابرة، ولكل طفلٍ فقد أباه في أتون هذه الحرب.
▪️اللهم ارحم الشهداء جميعاً، واشفِ الجرحى والمصابين، وفك أسر الأسرى والمعتقلين، وردّ المفقودين إلى أهلهم سالمين، واجبر كسر القلوب المنكسرة، وأطفئ نار هذه الحرب، واحفظ السودان وأهله من كل سوء. فما أحوج الأحياء إلى الدعاء للموتى، وما أحوج الوطن الجريح إلى دعوة صادقة تخرج من قلب مؤمن في ساعة صفاء.
▪️رحم الله العقيد أمن معاش عبد الله يونس عبد المولى، ورحم الله شهداء السودان جميعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى