أخر الأخبار

دكتورة شذي الشريف تكتب: الموانئ البحرية… حين يصبح الاستقرار ضرورة وطنية لا خياراً إدارياً

مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

في أوقات الاستقرار قد تبدو الخلافات الإدارية والنقابية جزءاً من الحياة المؤسسية الطبيعية، لكن في أوقات الحرب والأزمات الوطنية تتغير الأولويات، ويصبح الحفاظ على المؤسسات الاستراتيجية مسؤولية تتجاوز الأشخاص والمواقف، لتلامس مباشرة أمن الدولة واقتصادها ومستقبلها.
ومن بين هذه المؤسسات، تبرز هيئة الموانئ البحرية باعتبارها الشريان الاقتصادي الأول للسودان، والنافذة التي يعبر منها الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، والمنفذ الذي تعتمد عليه الدولة في تأمين احتياجاتها وتعزيز مواردها في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث.
لذلك فإن أي نقاش حول إدارة الموانئ ينبغي أن ينطلق من سؤال أكبر من الخلافات الآنية: كيف نحافظ على استقرار هذا المرفق الاستراتيجي؟ وليس: كيف نحول الخلافات إلى معارك تستنزف مؤسسة وطنية بهذا الحجم؟
لقد شهدت هيئة الموانئ البحرية خلال فترة الحرب اختباراً بالغ الصعوبة. ففي الوقت الذي تعطلت فيه مؤسسات عديدة، وواجهت البلاد تحديات لوجستية واقتصادية هائلة، ظلت الموانئ تؤدي دورها الوطني بكفاءة، واستمرت حركة الواردات والصادرات، ولم تتوقف عن خدمة الاقتصاد السوداني، وهو إنجاز لا يمكن فصله عن الجهد المؤسسي الذي بذلته الإدارة والعاملون معاً.
وليس من الإنصاف أن تختزل هذه التجربة في خلاف نقابي، أو أن تُربط المطالبة بإقالة المدير العام بقضايا لا يمنحه القانون سلطة الفصل فيها أصلاً. فالنقابات لها قوانينها وإجراءاتها والجهات المختصة بها، وأي تجاوز يجب أن يعالج عبر المؤسسات العدلية والإدارية المختصة، لا عبر إصدار أحكام سياسية أو إعلامية.
إن الدعوة إلى التغيير الإداري يجب أن تقوم على تقييم شامل للأداء، لا على ردود أفعال مرتبطة بأزمة محددة. فإذا كانت المؤسسة تحقق الاستقرار، وتحافظ على انسياب العمل، وتدير واحداً من أهم المرافق الاقتصادية في البلاد بكفاءة في ظل ظروف استثنائية، فإن المحافظة على هذا الاستقرار تصبح مصلحة وطنية قبل أن تكون قراراً إدارياً.
ولا يعني ذلك أن الإدارة فوق النقد أو المساءلة، فالمساءلة قيمة أساسية في الإدارة الرشيدة، لكنها يجب أن تستند إلى الوقائع والأدلة والتقييم المهني، لا إلى الضغوط أو الانطباعات.
لقد عُرف المدير العام المهندس جيلاني أبوبكر جيلاني خلال فترة إدارته بالاجتهاد والانفتاح على تطوير الأداء، والعمل على تعزيز دور الموانئ في خدمة الاقتصاد الوطني، مع المحافظة على استمرارية العمل في ظروف استثنائية فرضتها الحرب. وهذه معايير ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم التجربة بعيداً عن الاستقطاب.
ومن المهم كذلك أن تدرك كل الأطراف أن الموانئ البحرية ليست مجرد مؤسسة خدمية، بل هي ركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصادي. وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، وعلى الأسواق، وعلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الحيوي لإدارة الإعلام في هيئة الموانئ البحرية باعتبارها شريكاً استراتيجياً في إدارة المؤسسة، فهي ليست جهة لنقل الأخبار فحسب، وإنما أداة لبناء الثقة مع المجتمع، وشرح الحقائق، وتعزيز الشفافية، والتصدي للشائعات، وإبراز الإنجازات، بما يسهم في حماية المؤسسة من حملات التشويه ويعزز صورتها بوصفها مرفقاً وطنياً يخدم جميع السودانيين.
إن المؤسسات الاستراتيجية تحتاج اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويضع المصلحة الوطنية فوق أي خلاف. فالسودان، وهو يواجه تحديات الحرب وإعادة البناء، لا يحتمل إضعاف مؤسساته الحيوية أو إدخالها في دوامة الصراعات التي تستنزف طاقتها وتصرفها عن أداء رسالتها الأساسية.
ويبقى المعيار العادل هو أن تُقاس الإدارات بما أنجزته، وبقدرتها على الحفاظ على استقرار المؤسسات، وبما قدمته للوطن في أوقات الشدة. وعندما يكون الحديث عن هيئة الموانئ البحرية، فإن استقرارها ليس مطلباً إدارياً فحسب، بل ضرورة وطنية تمس أمن السودان واقتصاده ومستقبله.
فالموانئ القوية تعني دولة أكثر قدرة على الصمود، والإدارة المستقرة تعني اقتصاداً أكثر أمناً، وحماية هذا المرفق الاستراتيجي هي حماية لمصلحة السودان قبل أي اعتبار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى