نقطة تفتيش – نادر عثمان الجميعابي – حينما يسقط “أيقونات الصمود” في فخ التجميل: الخيانة التي لا تُغتفر

​لطالما كان الفن في السودان ضميراً حياً، وصوتاً يصدح في لحظات الانكسار، وبلسماً يداوي جراح الوطن. وحين اشتعلت نيران “حرب الكرامة”، التفتت العيون إلى الفنانين بوصفهم “أيقونات للصمود” و”رموزاً للوطن”، أولئك الذين تغنوا بوجع الشعب، وأشعلوا جذوة الحماسة في قلوب المكلومين، واحتضنوا بمواقفهم أحلام النازحين والمشردين.
​ولكن، تحت سقف الفجيعة، تتساقط الأقنعة وتنكشف الحقائق. إن مشهد ظهور هؤلاء الفنانين في محافل دولية ترعاها جهات تورطت بشكل مباشر – سياسياً وعسكرياً – في تمزيق نسيج السودان، وتشريد أهله، وتحويل بيوتهم إلى ركام، ليس مجرد “خطأ مهني” أو “اختيار فني”، بل هو طعنة غائرة في خاصرة الوطن، وخيانة عظمى لجمهورٍ وضع فيهم
أمانة الرمزية والقدسية.

نقطة تطبيع
​الفنان.. بين رسالة الضمير وسقوط “التطبيع”
​إن الفنان، حين يتجاوز كونه مؤدياً ليصبح “أيقونة وطنية”، فإنه يتحول إلى ملكية عامة للشعب. والجمهور الذي منح هذا الفنان حبه وثقته، هو ذاته الجمهور الذي يبيت اليوم في العراء، ويبحث عن مأوى وسط أنقاض الحرب التي ساهمت تلك الدول -التي يُحيي الفنانون حفلاتهم فيها الآن- في تغذيتها وتأجيجها.
​فأي عبث هذا الذي يجعل فناناً يُفترض أنه “صوت الشعب” يرتضي لنفسه أن يكون أداةً لتجميل وجهٍ لطخته دماء السودانيين؟ وأي منطق يسمح لـ “رمز الصمود” أن يبيع وقار موقفه الوطني في سوق التلميع السياسي لجهةٍ ساهمت في تمزيق وطنه؟
​سقطة لا تُجبر بكلمات
​إن التبرير بالاحترافية أو فصل الفن عن السياسة هنا هو “ذر للرماد في العيون”. فالفن الذي لا ينحاز لإنسانية الإنسان، ولا يأنف من الوقوف على منصات بناها المتآمرون على وطنه، هو فنٌ خاوٍ من الروح والرسالة. إن هؤلاء الفنانين لم يذهبوا ليقدموا فناً فحسب، بل ذهبوا ليمنحوا “صك براءة” لمن لا براءة لهم، في محاولة بائسة لتبييض سجلات سوداء بدماء الضحايا.
​لقد كسر هذا السلوك “عقد الحب” بين الفنان وجمهوره. فالجمهور لا يغفر لمن خذله في لحظة الحقيقة، ولا ينسى من استبدل “أيقونية الصمود” بـ “بريق المسارح” في عواصم المتآمرين.

نقطة سطر بعيد
​ختاماً.. التاريخ لا يرحم
​إن الوطنية ليست شعارات تُغنى في لحظات الترف، بل مواقف تُدفع أثمانها في لحظات المحنة. ومن اختار أن يبيع رمزيته مقابل حفنة من الأضواء في بلادٍ تآمرت على شعبه، فقد حكم على نفسه بالخروج من سجل الذاكرة الوطنية، ووضع نفسه في خانة لا يمكن للجمهور المكلوم أن يتجاوزها.
​سيبقى الشعب السوداني هو الرمز الحقيقي للصمود، أما الفن الذي يرتضي أن يكون “مسحوق تجميل” لقتلة وطنه، فمصيره الزوال، وستظل هذه اللحظة وصمةً في سجل كل من خذل شعبه وهو في قمة انكساره.
عزيز انت ياوطني برغم قساوة المحن

Exit mobile version