تباريح – دكتورة اميرة طه – جهود السعودية المتواصلة

تُعد الأزمة السودانية واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والإنسانية في القارة الأفريقية، وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت المملكة العربية السعودية كقوة دبلوماسية فاعلة ومحورية، تقود جهوداً حثيثة بهدف إيقاف نزيف الدم وتجنيب السودان مخاطر الانقسام والانهيار.

وبرزت جهود السعودية لإحلال السلام في السودان
منذ اندلاع الشرارة الأولى للنزاع المسلح في السودان بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، لم تقف المملكة العربية السعودية موقف المتفرج، بل سارعت إلى تبني مقاربة دبلوماسية “هندسية” متكاملة، تنطلق من إدراك عميق بأن استقرار السودان ليس مجرد شأن داخلي، بل هو ركيزة أساسية للأمن القومي العربي والأفريقي، وضمانة مباشرة لأمن الممرات الملاحية في البحر الأحمر.

ومثّلت استضافة المملكة لمباحثات جدة 1 وجدة 2 بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، تحولاً جوهرياً في مسار الأزمة. ولم يكن هذا المنبر مجرد ساحة للتفاوض، بل أنتج وثائق مرجعية هامة أبرزها:
إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في مايو 2023
والذي وضع الأطر الإنسانية الملزمة لحماية المنشآت الحيوية وتسهيل مرور المساعدات.

وعملت على تأسيس المنبر الإنساني برئاسة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لتفعيل إجراءات بناء الثقة وإيصال الإغاثة للمتضررين دون عوائق. وظل الموقف السعودي يقوم على ثوابت هي الحفاظ على الدولة والشرعية
وتتحرك الدبلوماسية السعودية وفق رؤية واضحة وشجاعة ترتكز على دعم مؤسسات الدولة الرسمية؛ حيث جددت المملكة في المحافل الدولية—وآخرها مؤتمر لندن حول السودان—تحذيراتها الصارمة من مغبة الدعوات لتشكيل حكومات موازية أو كيانات بديلة، معتبرة أن هذه الخطوات تمس ببلاد النيلين وتعمق الانقسام.
وتؤمن الرياض بأن الحل النهائي للأزمة يجب أن يكون سودانياً–سودانياً يحترم سيادة البلاد ووحدتها، ويهيئ المناخ لحل سياسي شامل بمجرد وقف إطلاق النار.
والعمل على تحييد التدخلات الخارجية والدوافع الاستراتيجية.

وتدرك القيادة السعودية أن إطالة أمد الحرب ترتبط مباشرة بالدعم الخارجي؛ لذا ركزت جهودها على مسار جوهري وهو ضرورة وقف تدفق السلاح
وتتحرك المملكة في هذا الإطار مدفوعة بخمسة قواسم استراتيجية:
1. فتح الطريق أمام تسوية سياسية وطنية شاملة.

2. حماية الأمن الإقليمي ومنع تمدد الفوضى إلى القرن الأفريقي.

3. تأمين ساحل البحر الأحمر الذي يمثل عمقاً استراتيجياً واقتصادياً حيوياً لمشاريع “رؤية 2030”.

4. تقديم الدعم الإنساني والتنموي اللامحدود عبر الجسور الجوية والبحرية لمركز الملك سلمان للإغاثة.

5. استغلال الثقل الدولي للمملكة لرفع الأزمة السودانية إلى صدارة الاهتمام العالمي (مثل التنسيق الدبلوماسي رفيع المستوى لولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الأقطاب الدولية).

ولا تقتصر الرؤية السعودية على إسكات البنادق فحسب، بل تمتد لما بعد الحرب؛ حيث يتطلع الجانبان لإعادة الإعمار عبر مشاريع شراكة استراتيجية ضخمة تم التجهيز لها في مجالات الزراعة، الطاقة، والبنية التحتية، لربط الاقتصاد السوداني بالعمق السعودي فور استقرار الأوضاع.

إن الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في السودان يتجاوز الوساطة التقليدية إلى “شراكة المصير والمستقبل”؛ فرغم تعقد المشهد الميداني، تظل الجهود السعودية—بما تملكه من قبول واحترام لدى الأطراف السودانية والمجتمع الدولي—النافذة الأكثر جدية وقابلية لقيادة السودان نحو بر الأمان والحفاظ على كيان الدولة الواحدة المستقرة.

Exit mobile version