بين دبي والفاشر… من يشتري صوته بدماء وطنه؟

في زمن الحروب تُختبر المعادن الحقيقية وتسقط الأقنعة التي طالما أخفت الوجوه. هناك لحظات لا يعود فيها الصمت حياداً ولا يصبح الغناء مجرد فن ولا تتحول المنصات إلى أماكن للترفيه البريء. فحين تشتعل المدن وتُدفن الأحلام تحت الأنقاض ويصبح الوطن كله غرفة عناية مركزة فإن لكل موقف ثمنه ولكل صوت موقعه في سجل الذاكرة.

بينما كانت أخبار القتل والنزوح والدمار تتدفق من الفاشر والجزيرة والدلنج وغيرها من المدن السودانية المنكوبة كانت الأضواء تلمع في دبي وكانت الموسيقى تعلو فوق ضجيج المأساة.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بحفل أو أغنية أو فنان بعينه، بل يتحول إلى سؤال أكبر: ما قيمة الفن إذا فقد بوصلته الأخلاقية؟

الفن ليس مجرد حنجرة جميلة، ولا إيقاعاً يطرب الآذان. الفن موقف قبل أن يكون موهبة ورسالة قبل أن يكون شهرة. وحين ينحاز الفنان إلى أصحاب المال في لحظة ينزف فيها شعبه فإنه لا يقدم عرضاً فنياً فحسب بل يبعث برسالة سياسية وأخلاقية شاء أم أبى.

قد نلتمس العذر لمن دفعتهم الحرب إلى المنافي ولمن قادتهم قسوة الحياة إلى البحث عن لقمة العيش حيثما وجدوها. فالحروب لا تترك للناس دائماً مساحة واسعة للاختيار. لكن شيئاً مختلفاً تماماً يحدث عندما يتحول الاغتراب القسري إلى منصة للاحتفاء بمن يشهد عليهم العالم باثره بالمساهمة في صناعة المأساة نفسها. عندها لا يصبح الأمر مجرد عمل أو رزق، بل موقفاً يحمل دلالاته الثقيلة.

إن أخطر ما في المشهد ليس ظهور فنان هنا أو هناك، وإنما محاولة تطبيع فكرة أكثر خطورة: أن الدم يمكن أن يصبح خلفية للاحتفال، وأن المأساة يمكن أن تتحول إلى مادة ترفيهية وأن الضحايا مجرد أرقام تُنسى بمجرد انطفاء الكاميرات.

التاريخ لا يتذكر الأصوات الأعلى بل يتذكر المواقف الأصدق. لا يتذكر من غنوا في قصور المال بل من وقفوا إلى جانب شعوبهم حين كان الوقوف مكلفاً. فالأوطان الجريحة لا تحتاج إلى من يزين جراحها بالأغاني بل إلى من يحفظ لها كرامتها وسط العاصفة.

ربما يعتقد البعض أن الأضواء قادرة على محو آثار الدم، وأن الشهرة تستطيع شراء النسيان لكن ذاكرة الشعوب عنيدة. فهي تحفظ جيداً أسماء الذين وقفوا معها، كما تحفظ أسماء الذين اختاروا الرقص على دماء الضحايا

وعندما تضع الحرب أوزارها، وتنكشف الحقائق كاملة، لن يكون السؤال من غنى ومن صفق ومن رقص. السؤال الذي سيبقى معلقاً في وجه الجميع هو:

هل يستطيع الصوت أن يستعيد نقاءه بعدما اختار أن يعلو فوق صراخ الضحايا؟

وهل يغفر التاريخ لمن جعل من جراح وطنه سلماً إلى المال و الشهرة ومن دماء شعبه تذكرة عبور إلى منصات الاحتفال؟

ذلك سؤال لن تجيب عنه الأغاني بل ستجيب عنه الذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى