دكتور صلاح دعاك يكتب : عمر الضو… طويل النجاد كثير الرماد

قبل عشرين عامًا، كنت في سويسرا في رحلة دراسية نلت خلالها دبلوماً في المساعدات الإنسانية من جامعة جنيف ،، كانت أيامًا حافلة بالمعرفة والتجارب الجديدة، أتنقل فيها بين قاعات الدراسة والنقاش، أحمل همًّا إنسانيًا وآمالاً كبيرة لخدمة الناس. وفي نهاية شهر مارس من عام 2006، عدت إلى السودان، وما إن وطئت قدماي أرض مطار الخرطوم حتى استقبلني خبر ثقيل على النفس؛ الدكتور عمر الضو تعرض لحادث أليم ، و انه طريح الفراش بمستشفى ساهرون.
لم أذهب إلى المنزل، ولم أمهل نفسي فرصة لالتقاط أنفاس السفر الطويل، بل اتجهت مباشرة إلى المستشفى. وهناك رأيت مشهدًا لا أنساه ما حييت. كان الأهل والمعارف والأصدقاء يتوافدون جماعات و يتحلقون في مجموعات ، يملأون أروقة المستشفى وساحاته، والقلق بادٍ على الوجوه، والدعوات لا تنقطع. لم يكن ذلك مستغربًا، فالدكتور عمر الضو لم يكن شخصًا عابرًا في حياة الناس، بل كان واحدًا من أولئك الرجال الذين يصنعون لأنفسهم مكانة في القلوب قبل أن يصنعوا لأنفسهم مكانة في المجتمع.
ومنذ صغرنا، كنا نسمع باسم عمر الضو قبل أن نعرف الكثير عن ليبيا نفسها. لم تكن ليبيا بالنسبة لنا مجرد بلد عربي يقع غرب السودان، بل كانت في الذاكرة مرتبطة باسمين كبيرين: عمر الضو والخالة وداد. كانت سمعتهما طاغية على كل حديث يرد عن تلك البلاد، حتى أصبح حضورهما في وجدان الناس أكبر من المسافات والحدود.
عرفنا الدكتور عمر الضو رجل أعمال ناجحًا في ليبيا، في زمن لم يكن كثير من السودانيين قد طرقوا أبواب الاستثمار الخارجي بعد. لكنه امتلك من الجرأة والبصيرة ما جعله يشق طريقه في تلك البلاد، ويصنع لنفسه تجربة استثنائية تحولت مع السنوات إلى ما يشبه الإمبراطورية الاقتصادية الناجحة. لم يأتِ ذلك النجاح من فراغ، وإنما من رؤية ثاقبة وعمل دؤوب وعزيمة لا تعرف التراجع.
٧لكن ما جعل الناس يحبونه لم يكن نجاحه المالي وحده، بل إنسانيته الواسعة. فقد كان قبلة للسودانيين في ليبيا؛ يستقبل القادم الجديد، ويقف إلى جانب المحتاج، ويحتضن أبناء وطنه دون تمييز. وكانت ليبيا آنذاك مقصدًا لعدد من القوى والتيارات السياسية السودانية، فكان بحكم مكانته وكرمه وحسن علاقاته يستقبل الجميع، ويفتح أبوابه للجميع، واضعًا مصلحة السودان وأهله فوق كل اعتبار.
كما كان ملاذًا للطلاب السودانيين الذين يدرسون في الجامعات الليبية. وما التقيت واحدًا منهم إلا وتحدث عنه بإعجاب واحترام، واصفًا إياه بالشجاعة والكرم والفروسية. وقد صدقوا جميعًا؛ فالكرم ليس مجرد مال يبذل، بل هو شجاعة من نوع خاص، شجاعة الإنفاق، وشجاعة الاهتمام بالآخرين، وشجاعة أن تجعل للناس نصيبًا من وقتك وجهدك ومالك. لذلك لا يجتمع الكرم والجبن في قلب رجل واحد، فهما نقيضان لا يلتقيان.
وعندما عاد الدكتور عمر الضو إلى السودان، أتيحت لي فرصة الجلوس معه في أكثر من مناسبة. فوجدت أمامي رجلًا أنيقًا في حضوره، مهذبًا في حديثه، متقد الذكاء، واسع الأفق. كان من أولئك الأشخاص الذين ما إن تبدأ الحديث معهم حتى تشعر أنك أمام رجل موسوعي المعرفة. يتحدث في الرياضة كما يتحدث في الاقتصاد، ويتناول السياسة بفهم عميق، ويناقش قضايا المجتمع برؤية ناضجة وخبرة واسعة.
وكان يحمل قناعات واضحة لا يخشى التصريح بها. ومن أكثر ما علق بذاكرتي قوله إن السياسي ينبغي أن يكون مقتدرًا ماليًا، حتى يعطي ولا يأخذ، ويخدم الناس دون أن يجعل من العمل العام وسيلة لمكاسب شخصية. كانت رؤاه واضحة وجريئة، تنبع من تجربة حياة طويلة ومن احتكاك واسع بالناس والأحداث.
ولطالما اعتقدت أن عودته إلى السودان كانت تمثل بداية مرحلة جديدة من العطاء الوطني. فقد بدا وكأنه يحمل مشروعًا كبيرًا لخدمة أهله ووطنه، مستفيدًا مما راكمه من خبرات وتجارب وعلاقات. لكن القدر كانت له مشيئة أخرى، فجاء ذلك الحادث الغادر ليغير مسار حياته كلها. وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبعده عن صخب السياسة وتقلباتها، وأن يختبره بابتلاء من نوع آخر.
ورغم ما أصابه، فإن أكثر ما كان يلفت النظر فيه هو ذلك الرضا العجيب الذي سكن ملامحه. فما إن تزوره حتى تستقبلك ابتسامة هادئة تنبئ عن قلب مطمئن بقضاء الله وقدره. كنت ترى في وجهه عمق الإيمان، وتلمس في حديثه معاني الصبر والرضا. وكانت تلك السنوات بلا شك من أصعب فترات حياته؛ فرجل طموح، صاحب أفكار ومبادرات، عرف بالحركة والعطاء والجود، يجد نفسه فجأة أسير كرسي متحرك. لكنه تقبل ذلك كله بقلب المؤمن وصبر الحكماء.
ولم يكن وحده في تلك الرحلة الطويلة. فقد أحاطه الله بأبناء بررة وزوجة وفية حنون. فما زرت بيتهم يومًا إلا وجدت أن راحته وعلاجه وسعادته هي محور اهتمام الجميع. كان أبناؤه يحيطونه بالرعاية والمحبة، وكأنهم يتسابقون لرد بعض جميل رجل أفنى عمره في خدمتهم وخدمة الآخرين.
وكانت شريكة هذه الرحلة كلها الخالة الشيخة وداد الدقير، تلك السيدة التي عرفت بالتميز في كل مراحل حياتها. وتميزها الأكبر أنها لفتت نظر الدكتور عمر الضو، ذلك الطبيب القامة والرجل الاستثنائي، فكان زواجهما شراكة ناجحة أثمرت أسرة كريمة وأبناء بررة. كما تميزت بتربية ناجحة وصالحة لأبنائها، فكان محمد ومي وإخوانهما نموذجًا للبر والوفاء وحسن التربية.
وعندما وقفت تعزي في زوجها الراحل، كانت تستحضر صفاته ومناقبه ومآثره واحدة تلو الأخرى، وكأنها تريد أن تذكر الناس بذلك الرجل العظيم الذي عاش بينهم. والحقيقة أنها لم تكن تخبرهم بشيء يجهلونه، بل كانت تعيد إلى الأذهان ما عرفه الناس عنه طوال حياته.
وقد سبقتها في ذلك تماضر بنت عمرو، الخنساء، حين وقفت ترثي أخاها صخرًا وتقول فيه ما قالته العرب في مراثيها الخالدة. كانت تعدد مناقبه وتستحضر فضائله، لأنه كان طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد إذا ما شتا. وهي الصفات نفسها التي أجمع عليها من عرفوا عمر الضو؛ فقد كان مقدامًا كريمًا، حاضرًا عند الشدائد، باسط اليد بالعطاء، محبًا للناس، قريبًا منهم.
واليوم، ونحن نودع هذا الرجل الكريم، لا نرثي ثروة ولا منصبًا، وإنما نرثي إنسانًا ترك أثرًا جميلًا في حياة الناس. نرثي رجلًا عاش كريم النفس، واسع القلب، حسن المعشر، صادق المودة، فاستحق أن يبقى حيًا في ذاكرة كل من عرفه.
رحم الله فقيدنا العزيز الدكتور عمر الضو رحمة واسعة، وجزاه عن أهله وأصدقائه ووطنه خير الجزاء. ونعزي أبناءه وبناته وأسرته الكريمة كافة، كما نعزي إخوانه وأخواته وأهله بالجديدة الثورة، ونعزي كل من عرفه وأحبه.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل ما قدمه من خير وإحسان في ميزان حسناته. اللهم اجزه عن أهله ووطنه خير الجزاء، واجعل البركة في أبنائه وذريته، وألهم أسرته ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء، واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

Exit mobile version