امل ابو القاسم تكتب : بين العقوبات والوقائع.. من يكتب الرواية؟

تصرّ واشنطن على اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، وترفض الإصغاء إلى الردود المتكررة التي تنفي هذه الاتهامات، والتي عرضها بالتفصيل السفير الحارث أمام مجلس الأمن. فهي تصم آذانها عن تلك الدفوع، وتعجز في الوقت نفسه عن تقديم أدلة تثبت مزاعمها، بينما تفتح أبوابها على مصراعيها لكل ما يردده الجناح السياسي للمليشيا في المحافل الدولية، ولكل تغريدة أو منشور يصدر عن منابرها.

تفتح واشنطن عينيها لتلك الادعاءات غير المسندة بأي دليل، لكنها تغض الطرف عن الجرائم التي ارتكبتها المليشيا المدعومة من الإمارات، والتي شهد بها العالم، ووثقتها منظمات وتقارير وشهادات ناجين، بما في ذلك ممارسات ترقى في وحشيتها إلى جرائم ضد الإنسانية.

يفتري الجناح السياسي للمليشيا على الجيش السوداني، الذي يقوم بمهمته الأساسية في الدفاع عن الوطن وأرضه ومواطنيه، أولئك الذين يلجأون إليه طلبًا للحماية. وفي المقابل، تتجاهل واشنطن عمدًا ما ارتكبته المليشيا بحق المدنيين السودانيين من قتل وتعذيب وتنكيل، مستخدمة أبشع الوسائل التي أوحت بها أو أنتجتها عقول منفذيها الخربة.

فمليشيا آل دقلو، المدعومة من الإمارات، لم تترك وسيلة للتنكيل إلا استخدمتها. وإذا كان السلاح الكيميائي يتسبب في الاختناق، فإن المليشيا خنقت مواطنين حتى الموت، وجلدت آخرين بالسياط، واحتجزت مدنيين أيامًا وليالي في غرف ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بلا طعام أو ماء، حتى تساقطوا واحدًا تلو الآخر بفعل الجوع والعطش وضيق التنفس.

وإذا كانت الأسلحة الكيميائية تخلّف حروقًا وتشوهات، فإن المليشيا أحرقت المدنيين أحياء، وجمعت بعضهم داخل حاويات وأضرمت النار في أجسادهم، في مشاهد تجسد منتهى القسوة والوحشية.

ومن زاوية أخرى، كيف غابت عن واشنطن، أو عن أولئك الذين يؤثرون في قرارها من لوبيات سياسية مرتبطة بأبوظبي، الكوارث البيئية والصحية التي تسببت فيها المليشيا؟ فقد لوثت مصادر المياه بإلقاء الجثث المتحللة في الآبار ومجاري المياه، الأمر الذي ساهم في انتشار الأوبئة وتهديد حياة المدنيين. كما أدى استهداف محطات الكهرباء والبنية التحتية إلى انقطاع المياه وتعطيل الخدمات الصحية، وحرمان المرضى من أبسط مقومات العلاج، فضلًا عن استنزاف الثروة الحيوانية عبر نهب المواشي وذبحها، بما يهدد بعض السلالات بالاندثار.

وإذا كان السلاح الكيميائي يترك آثارًا قد تفضي إلى الموت أو إلى إعاقات دائمة، فإن المليشيا اختصرت كل ذلك بقتل المدنيين مباشرة، ودفنت بعضهم أحياء في مقابر جماعية، ودهست آخرين، ومارست بحقهم صنوفًا من الانتهاكات التي خلّفت آلاف الضحايا والمشوهين جسديًا ونفسيًا.

ورغم كل ذلك، تتجاهل واشنطن هذه الوقائع، وتواصل إصدار أحكامها بحق الجيش السوداني والدولة السودانية، متبنية رواية طرف واحد، في نهج يعكس ازدواجية واضحة في المعايير، ويثير تساؤلات حول مدى تأثر القرار الأمريكي بحسابات سياسية وإقليمية تتجاوز البحث عن الحقيقة.

أما العقوبات الجديدة، فإنها لن تكون، في نظر كثيرين، مختلفة عن سابقاتها. فقد عاش السودان سنوات طويلة تحت وطأة العقوبات، ولم تحقق تلك السياسات أهدافها قبيل ان تتراجع عنها تدريجيا، صحيح انها أضافت مزيدًا من الأعباء على البلاد لكن دون أن تغير مسار الأحداث. ولذلك فإن الرهان على العقوبات باعتبارها أداة لحسم الصراع، أو الإبتزاز يبدو تكرارًا لتجربة لم تثبت جدواها، أكثر من كونه سياسة قادرة على إحداث تحول حقيقي.

Exit mobile version