أخر الأخبار

الإعلام الموجَّه واستدامة الحرب في السودان: تفكيك دور المنصات الإقليمية في إعادة إنتاج الأزمة السودانية

بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل

مقدمة

لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط عبر السلاح والعمليات العسكرية، بل أصبحت تُخاض كذلك عبر المنصات الإعلامية، وشبكات التأثير السياسي، وصناعة السرديات القادرة على تشكيل الوعي العام المحلي والدولي. وفي الحالة السودانية، برز الإعلام الإقليمي الموجَّه بوصفه أحد أخطر العوامل التي ساهمت في إطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام المجتمعي، وإضعاف فرص الانتقال المدني الديمقراطي.

فمنذ اندلاع النزاع في السودان، لم يقتصر الصراع على المواجهة العسكرية بين الأطراف المتحاربة، بل امتد إلى معركة موازية تهدف إلى السيطرة على الرواية، وإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، وتوجيه الرأي العام وفق مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ في السودان. وفي ظل هذا المشهد، تراجع الدور المهني للإعلام، وتحولت بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات ناعمة لإدارة الصراع وإعادة إنتاجه، بدلًا من الإسهام في تفكيكه ومعالجة جذوره.

أولًا: الإعلام بوصفه أداة للصراع الجيوسياسي

أصبح الإعلام في مناطق النزاعات المعاصرة جزءًا من منظومة القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي. ولم يكن السودان استثناءً من هذه القاعدة، إذ تحولت بعض القنوات والمنصات الإقليمية إلى فضاءات لإعادة هندسة المشهد السوداني بما يتوافق مع مصالح الجهات الراعية لها.

وقد أسهم هذا الإعلام الموجَّه في خلق سرديات انتقائية تقوم على:

* تضخيم بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين.
* تهميش القوى المدنية المستقلة.
* تغييب أصوات الضحايا والنازحين واللاجئين.
* إعادة تقديم المتورطين في الانتهاكات بوصفهم شركاء محتملين في صناعة السلام.

وبدلًا من نقل الحقيقة كما هي، أصبحت التغطيات الإعلامية في كثير من الأحيان انعكاسًا لمعادلات التمويل السياسي والاستقطاب الإقليمي، الأمر الذي أدى إلى تشويه الوعي العام، وإضعاف قدرة المجتمع السوداني على بناء رواية وطنية مستقلة حول جذور الأزمة ومسارات الحل.

ثانيًا: صناعة السرديات وإعادة إنتاج الفشل السياسي

إن أخطر ما أنتجه الإعلام الموجَّه في السودان هو تكريس دائرة إعادة إنتاج النخب الفاشلة، عبر تحويل بعض الشخصيات والجماعات المتورطة في الأزمات والانتهاكات إلى فاعلين سياسيين دائمين داخل المشهد العام، دون مساءلة حقيقية أو محاسبة قانونية.

وقد ساهمت هذه المنظومة الإعلامية في ترسيخ ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الصراع الإعلامي”، حيث تتحول الحروب إلى مساحات استثمار سياسي وإعلامي، وتصبح المأساة الإنسانية مادة للاستهلاك السياسي والدعائي.

وفي هذا السياق، يتم:

* تهميش مطالب العدالة الانتقالية.
* إضعاف أصوات الضحايا.
* تقويض فرص بناء دولة المؤسسات.
* إنتاج سلام هش قائم على التسويات المؤقتة لا على معالجة جذور الأزمة.

وهكذا، يدخل السودان في حلقة مفرغة من:
حرب، ثم تسوية هشة، ثم إعادة تدوير الفاعلين أنفسهم، ثم انهيار جديد يعيد إنتاج العنف بصورة أكثر تعقيدًا.

ثالثًا: تغييب الصوت المدني وتهميش الضحايا

من أبرز مظاهر الأزمة الإعلامية في السودان تغييب الأصوات المدنية الحقيقية، خاصة منظمات المجتمع المدني، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والناشطين المستقلين، والناجين من الانتهاكات.

فبينما تحظى الجماعات المسلحة والنخب السياسية التقليدية بمساحات واسعة في المنصات الإقليمية، يُقصى المواطن السوداني البسيط من حقه في تمثيل معاناته ونقل روايته إلى العالم.

وقد أدى ذلك إلى:

* إضعاف التضامن الدولي الحقيقي مع الضحايا.
* تشويش صورة الأزمة السودانية عالميًا.
* تراجع الثقة في الخطاب الإعلامي.
* غياب التوثيق المهني المستقل للانتهاكات.

وفي ظل هذا التهميش، أصبحت معاناة ملايين النازحين واللاجئين مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بينما تُختزل القضية السودانية في صراع نخبوي على السلطة والنفوذ.

رابعًا: الإعلام والحرب النفسية وهندسة الوعي

تلعب وسائل الإعلام خلال النزاعات المسلحة دورًا بالغ التأثير في تشكيل الإدراك الجمعي للمجتمعات، وهو ما يعرف في الدراسات السياسية والإعلامية بـ “هندسة الوعي”. وفي السودان، استخدمت بعض المنصات الإعلامية خطابًا يقوم على:

* تأجيج الانقسامات الاجتماعية.
* تعميق الاستقطاب السياسي.
* صناعة الكراهية المتبادلة.
* تطبيع العنف بوصفه أداة سياسية.

إن هذا النوع من الخطاب لا يهدد فقط فرص السلام، بل يهدد كذلك النسيج الوطني ومستقبل التعايش المجتمعي في السودان، خاصة في ظل التنوع الإثني والثقافي والجغرافي المعقد الذي يتطلب خطابًا إعلاميًا مسؤولًا يعزز الوحدة الوطنية لا الانقسام.

وقد أثبتت تجارب دولية عديدة — مثل رواندا، وليبيا، وسوريا — أن الإعلام الموجَّه قادر على التحول إلى شريك مباشر في تأجيج الصراعات، عندما يفقد استقلاله المهني ويتحول إلى أداة تعبئة سياسية وأمنية.

خامسًا: البعد القانوني والأخلاقي لمسؤولية الإعلام

وفقًا للمعايير الدولية لحرية التعبير والقانون الدولي الإنساني، فإن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية خلال النزاعات المسلحة، خاصة فيما يتعلق:

* بعدم التحريض على العنف والكراهية.
* احترام كرامة الضحايا.
* ضمان النزاهة المهنية.
* مكافحة التضليل الإعلامي.
* حماية الحق في الوصول إلى المعلومات.

كما أن المواثيق الدولية والإفريقية المتعلقة بحرية الصحافة وحقوق الإنسان تؤكد ضرورة استقلال الإعلام عن مراكز النفوذ السياسي والعسكري، باعتباره أحد أعمدة التحول الديمقراطي وبناء السلام المستدام.

غير أن جزءًا من المشهد الإعلامي المرتبط بالسودان لا يزال يعمل خارج هذه المعايير، ويُدار بمنطق الاستقطاب السياسي والمصالح الإقليمية، لا بمنطق المسؤولية المهنية والإنسانية.

سادسًا: نحو مشروع وطني لإصلاح الإعلام السوداني

إذا أراد السودان الخروج من دائرة الحرب والانهيار، فإن إصلاح القطاع الإعلامي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة بناء الدولة السودانية.

ويتطلب ذلك:

* بناء إعلام وطني مستقل مهني وشفاف.
* سن تشريعات تحمي حرية الصحافة واستقلال المؤسسات الإعلامية.
* دعم الصحافة الاستقصائية المستقلة.
* تمكين الأصوات المدنية والحقوقية.
* تعزيز التربية الإعلامية ومكافحة التضليل.
* إنشاء منصات وطنية قادرة على نقل الحقيقة بعيدًا عن الهيمنة الخارجية.
* حماية الصحفيين والعاملين في مجال التوثيق الحقوقي.

كما ينبغي على النخب السودانية تجاوز ثقافة التبعية الإعلامية والسياسية، والعمل على بناء مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

خاتمة

إن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة سلاح وسلطة، بل هي أيضًا أزمة وعي وسردية وإعلام. فالحروب لا تستمر بالقوة العسكرية وحدها، بل تستمر كذلك حين تُحتكر الحقيقة، ويُهمَّش الضحايا، وتُدار المجتمعات عبر التضليل والاستقطاب وإعادة إنتاج الخوف.

ومن هنا، فإن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست فقط معركة وقف إطلاق النار، بل معركة استعادة الحقيقة، وتحرير الوعي الوطني من الهيمنة الإعلامية والسياسية، وبناء إعلام مهني حر يكون منحازًا للإنسان السوداني وحقوقه وكرامته، لا لمصالح الممولين ومراكز النفوذ الإقليمية.

فالسودان لن ينهض عبر إعادة تدوير النخب ذاتها التي صنعت أزماته، بل عبر مشروع وطني جديد يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية، والعدالة الانتقالية، وسيادة القانون، واحترام الإنسان بوصفه القيمة العليا لأي عملية سياسية أو إعلامية أو وطنية.

وحين يتحرر الإعلام من التوظيف السياسي، وتتحرر الدولة من هيمنة السلاح، يمكن للسودانيين أن يبدؤوا أخيرًا في بناء وطن يستحق تضحياتهم الطويلة وآمالهم المؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى