
كلام الروح الصافي سالم
يشهد الآن صعيد عرفات في هذا اليوم العظيم، يلتقي الكون كله عند نقطة تلاقي الروح بالحجر، والسماء بالأرض، والدعاء بالرجاء في عرفات، حيث تتلاشى المسافات، وتسقط الفوارق، وتذوب كل الحواجز التي صنعتها الدنيا بين البشر.
في عرفات، لا يكون الوقوف مجرد حضور في مكان، ولا اجتماع أجساد على صعيد واحد، بل هو حالة وجدانية عظيمة، تستريح عندها قافلة المؤمنين في مسيرها الطويل إلى الله، منذ أن بدأ الإنسان رحلته على هذه الأرض، يبحث عن المعنى، وعن الرحمة، وعن الطريق.
الوقوف بعرفة هو لحظة يعود فيها الإنسان إلى حقيقته الأولى عبدٌ ضعيف بين يدي خالقه، فقيرٌ إليه في كل شيء، متجردٌ من كل ما حمله من أعباء الدنيا وزينتها.هناك، لا ألقاب تُرفع، ولا مناصب تُذكر، ولا سلطان يُهاب، ولا جاه يُطلب… الجميع سواء، في لباس واحد، ونداء واحد، ودمعة واحدة، ووجهة واحدة نحو السماء.
في عرفات، يقف المسلمون من كل فجٍّ عميق، جاءت بهم القلوب قبل الأقدام، يحملون في صدورهم آمالاً مثقلة، وذنوباً يرجون غفرانها، ودعواتٍ يرفعونها بثقة المحب الذي يعلم أن له رباً لا يرد سائلاً ولا يخيب راجياً.ما أعظم هذا الدين حين يعيد الإنسان إلى جوهره.وما أعظم الإسلام حين يعلّم البشرية أن أعظم صور القوة هي الخضوع لله، وأن أصدق مراتب الغنى هي الافتقار إليه، وأن أجمل لحظات الحياة قد تكون في دمعة صادقة تنهمر على أرض عرفات.اليوم، في عرفة، لا يقف الحجاج وحدهم بل تقف معهم قلوب الملايين في مشارق الأرض ومغاربها، ترفع أكفّها بالدعاء، وتشاركهم الشوق، وتلتمس من نفحات هذا اليوم المبارك رحمةً تشمل الجميع.إنه يوم تصفو فيه الأرواح، وتُفتح فيه أبواب السماء، وتُكتب فيه بدايات جديدة لمن أراد أن يعود إلى الله بقلبٍ سليم.
اللهم اجعل لنا من نفحات عرفة نصيباً، ومن رحمتك أوفر الحظ، ومن مغفرتك سترًا دائمًا، ومن نورك هدايةً لا تنطفئ.



