أخر الأخبار

دكتور عبد الناصر سلم يكتب : ما بعد الدعم السريع.. هل يقترب السودان من حرب بلا نهاية؟

التصدعات داخل التحالفات المسلحة قد تغيّر موازين الصراع، لكن السؤال الأخطر ربما لم يعد يتعلق بالحرب نفسها، بل بشكل الدولة التي ستبقى بعدها.

في الحروب الطويلة، لا تبدأ التحولات الكبرى دائماً على خطوط المواجهة. كثيراً ما تظهر أولاً داخل التحالفات التي حافظت على تماسك الأطراف المتحاربة لسنوات. وحين تتراجع الموارد، وتختل موازين النفوذ، وتضعف قدرة القيادات على إدارة الولاءات، تبدأ الشقوق بالظهور من الداخل قبل أن تنعكس لاحقاً على المشهد العسكري والسياسي بأكمله.

يبدو أن السودان يقف اليوم أمام هذه اللحظة تحديداً.

فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بمن يسيطر على مدينة أو يخسر جبهة، بل بما إذا كانت الحرب نفسها بدأت تتغير. وفي هذا السياق، يقدّم تقرير صادر عن منظمة ACLED المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة مؤشرات تفيد بأن الانقسامات المتزايدة داخل تحالفات الدعم السريع قد تمنح الجيش السوداني مساحة أوسع للتحرك، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر تعقيداً، تتراجع فيها الحرب المركزية لصالح نزاعات محلية وإثنية متداخلة.

وهنا تظهر مفارقة قد تبدو غير بديهية: ضعف أحد أطراف الحرب لا يعني بالضرورة اقتراب السلام.

بل ربما يحدث العكس.

ففي البيئات الهشة، كثيراً ما يؤدي تراجع القوى المسلحة الكبرى إلى ظهور فاعلين أصغر وأكثر مرونة، وأقل خضوعاً للسيطرة، وهو ما يجعل إنهاء الصراع أكثر صعوبة، لا أقل.

ومن هذه الزاوية، تبدو أهمية ما يطرحه تقرير ACLED أبعد من مجرد الحديث عن احتمالات ضعف الدعم السريع. فالتقرير يلمّح إلى احتمال أكثر خطورة: أن تنتقل الحرب السودانية من مواجهة بين أطراف رئيسية إلى حالة تشظٍ يصبح فيها العنف أكثر انتشاراً وأقل قابلية للاحتواء.

وبحسب التقرير، تسارعت التصدعات داخل قوات الدعم السريع بعد خسارة مناطق الوسط السوداني، بما فيها الخرطوم، ثم ازدادت وضوحاً عقب تعزيز نفوذها في أجزاء واسعة من دارفور خلال عام 2025. لكن أهمية هذه التطورات لا ترتبط بتوقيتها فقط، بل بما تكشفه عن طبيعة القوة نفسها.

فالدعم السريع لم يتطور كجيش مركزي تقليدي بقدر ما تشكّل عبر شبكة واسعة من التحالفات القبلية والعسكرية والاقتصادية، ظل تماسكها مرتبطاً بتوزيع الموارد وتوازن المصالح أكثر من ارتباطه ببنية تنظيمية صارمة.

وفي مثل هذه البنى، لا تتحول خسارة الموارد إلى أزمة اقتصادية فقط، بل إلى أزمة ولاء أيضاً. فعندما تتراجع القدرة على توزيع النفوذ والمكاسب، تبدأ التحالفات بإعادة حساباتها، وتتحول الانشقاقات من حالات استثنائية إلى احتمال دائم.

ومن هنا، تبدو الانشقاقات التي أشار إليها التقرير – ومنها انتقال شخصيات بارزة من المحاميد والرزيقات إلى جانب الجيش السوداني – مؤشراً يتجاوز أثره العسكري المباشر، ليعكس احتمال وجود مراجعات أعمق داخل البيئات الاجتماعية التي شكّلت لسنوات إحدى ركائز نفوذ الدعم السريع.

لكن اعتبار هذه المؤشرات دليلاً على انهيار سريع قد يكون قراءة متعجلة.

فالخبرة السودانية خلال العقود الماضية أظهرت أن تفكك الفاعلين المسلحين لا يؤدي دائماً إلى اختفائهم، بل كثيراً ما يعيد إنتاجهم في صور أصغر وأكثر قدرة على التكيف، وأحياناً أكثر عنفاً. كما أن تجارب إقليمية، من ليبيا إلى بعض مراحل الصراع في دارفور، تشير إلى أن تفكك القوى المسلحة لا يقود تلقائياً إلى الاستقرار، بل قد ينتج خرائط نفوذ جديدة يصعب دمجها لاحقاً داخل مؤسسات الدولة.

وهنا تبرز واحدة من أهم الإشارات التي يحملها تقرير ACLED: الخطر الحقيقي قد لا يكمن في ضعف الدعم السريع، بل في طبيعة الفراغ الذي قد يخلّفه تراجع نفوذه.

فالفراغات الأمنية لا تبقى فارغة طويلاً.

يشير التقرير إلى أن تقلّص الموارد ترافق مع ارتفاع معدلات النهب والخطف وفرض الإتاوات والعنف ضد المدنيين باعتبارها مصادر تمويل بديلة لبعض المجموعات المسلحة. وهذه ليست مجرد زيادة في الانتهاكات، بل قد تكون مؤشراً إلى تحول الحرب نفسها إلى اقتصاد قائم بذاته.

وربما تكمن هنا واحدة من أخطر نتائج الحرب السودانية: أن يتحول العنف من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية إلى وسيلة للبقاء الاقتصادي.

فعندما تصبح الحرب مصدراً للرزق، يتراجع احتمال انتهائها.

فالجماعات التي تعتمد على النزاع للبقاء لا تختفي تلقائياً مع تراجع القوة التي كانت تتحالف معها، بل تبحث عن تحالفات جديدة، ومناطق نفوذ جديدة، وأسباب جديدة للاستمرار.

وفي هذه المرحلة، لا يعود العنف نتيجة للحرب فقط، بل يصبح جزءاً من آلية بقائها. وهنا لا تعود الحرب أزمة مؤقتة، بل تتحول إلى بنية مصالح يصعب تفكيكها حتى مع تغيّر موازين القوة.

لكن المخاطرة قد تكون أعمق من ذلك.

فمع استمرار التشظي، لا يقتصر الاحتمال على بقاء جماعات مسلحة متفرقة، بل قد يمتد إلى نشوء سلطات محلية موازية، تفرض الأمن والجباية والنفوذ خارج مؤسسات الدولة. وعند هذه النقطة، لا يعود التحدي إنهاء الحرب فقط، بل إعادة بناء فكرة الدولة نفسها.

ومن هنا، يتراجع السؤال عن مصير الدعم السريع، ليظهر سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للدولة حين تتفكك الأطراف المتحاربة، من دون أن تتوافر بالضرورة شروط استعادة السلطة المركزية؟

وربما يكون من المبكر اختزال الأزمة في مستقبل الدعم السريع أو فرص الجيش وحدها. فالحرب الحالية لم تنتج فقط تشظياً أمنياً، بل كشفت أيضاً هشاشة العلاقة بين المركز والأطراف، وضعف قدرة الدولة السودانية تاريخياً على احتكار القوة وإدارة التنوع المحلي خارج منطق التحالفات المسلحة.

وربما لهذا يصعب النظر إلى الحرب الحالية باعتبارها قطيعة مع الماضي. فالسودان عرف لعقود أزمات مرتبطة بتوزيع السلطة والموارد والعلاقة بين المركز والأطراف. ومن هذه الزاوية، قد تبدو الحرب الراهنة امتداداً لأزمة دولة لم تُحسم أسئلتها الأساسية منذ سنوات، أكثر من كونها نزاعاً عابراً بين طرفين مسلحين.

كما تشير مؤشرات التقرير إلى تصاعد نزاعات داخل المكونات المتحالفة مع الدعم السريع، سواء في دارفور أو كردفان أو داخل تحالفاته الأوسع. وهذا قد يعني أن السودان ينتقل تدريجياً من حرب ذات مركز واضح إلى نزاعات متعددة المراكز، تتداخل فيها المنافسة على الموارد، والخلافات القبلية، والصراعات المحلية على النفوذ.

وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح التسويات أكثر صعوبة؛ لأن إنهاء الحرب لم يعد مرهوناً باتفاق بين قوتين رئيسيتين، بل بإدارة شبكة واسعة من النزاعات المتداخلة.

ومن وجهة نظري، فإن التحدي الأكبر أمام السودان لم يعد فقط إنهاء الحرب بين الجيش والدعم السريع، بل تجنب الوصول إلى لحظة تفقد فيها الدولة قدرتها على إعادة تجميع المجال الأمني والسياسي تحت سلطة واحدة.

فالحروب قد تنتهي، لكن الدول لا تتعافى دائماً بالسرعة نفسها.

وفي المقابل، قد تبدو المؤسسة العسكرية السودانية أمام فرصة تتجاوز تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة، لتشمل إمكانية استعادة حضور الدولة في بعض المناطق التي شهدت تراجعاً لسلطتها خلال سنوات الحرب. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى قدرة الجيش على استثمار الانقسامات داخل خصمه باعتبارها فرصة لإعادة جزء من المجال الأمني إلى مؤسسات الدولة، والحد من تعدد مراكز القوة المسلحة.

وقد يمنح ذلك هامشاً أكبر لاستعادة قدر من السيطرة المركزية، وهو عامل قد يكون مهماً في أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة في مناطق أنهكتها الحرب.

ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت المكاسب العسكرية، مهما كان حجمها، كافية وحدها لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة آثار التشظي الأمني والاجتماعي الذي خلفته سنوات الحرب.

فحتى لو حقق الجيش تقدماً إضافياً نتيجة الانقسامات داخل خصمه، يظل التحدي الأكبر مرتبطاً بما بعد الحرب أكثر من الحرب نفسها؛ أي بمدى القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي ومؤسسي مستدام.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي يقود إليه تقرير ACLED بصورة غير مباشرة: السودان لا يواجه فقط معركة على السلطة، بل اختباراً يتعلق بشكل الدولة التي ستبقى بعد الحرب، وبقدرتها على منع التشظي من التحول إلى واقع دائم.

لذلك، قد لا تكون البلاد أمام نهاية للصراع بقدر ما تبدو أمام إعادة تشكيل له؛ من مواجهة بين الجيش والدعم السريع إلى مشهد أكثر تشظياً، تتراجع فيه الحرب المركزية لصالح صراعات محلية قد تمتد آثارها إلى الإقليم بأسره.

وفي المحصلة، قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً من سيربح الحرب، بل ما إذا كان السودان سيخرج منها محتفظاً بفكرة الدولة نفسها.

فالحروب يمكن أن تنتهي بتغيّر موازين القوة، لكن الدول تتفكك حين تعجز عن استعادة احتكار السلطة وبناء عقد سياسي يتجاوز السلاح والولاءات المحلية.

وربما تكمن المخاطرة الأكبر في أن تنتهي الحرب الكبرى، بينما تبقى أسبابها قائمة؛ وتبقى الدولة عاجزة عن استعادة سلطتها أو بناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع والصراع بوسائل تتجاوز القوة المسلحة
عندها، لا يعود السؤال كيف تنتهي الحرب، بل ما إذا كان السودان سيخرج منها دولة قادرة على إعادة بناء نفسها، أم مساحة تتعايش فيها مراكز نفوذ متعددة تحت اسم دولة واحدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى