أخر الأخبار

خبر وتحليل – عمار العركي – بين اللغة الدبلوماسية وحقائق الجغرافيا السياسية

قراءة في رد السفير السوداني بأسمرة

▪️تعاملتُ باحترام كامل مع رد سعادة سفير السودان لدى إريتريا أسامة أحمد عبدالباري على مقالي الأخير بشأن العلاقات السودانية الإريترية، ليس فقط تقديراً للغته الرفيعة وأسلوبه الدبلوماسي المتزن، وإنما أيضاً إيماناً بأن النقاش الموضوعي حول قضايا السياسة الخارجية يظل أكثر فائدة وجدوى من السجالات والانفعالات. وفي المقابل، فإن القراءة الدبلوماسية الرسمية للعلاقات بين الخرطوم و أسمرة لا تعني بالضرورة أنها تعكس كامل حقيقة هذه العلاقة وتعقيداتها و منعطفاتها التاريخية و السياسية والأمنية.
▪️وعندما أكتب عن “بطء” أو “تردد” في تطوير العلاقة السودانية الإريترية نحو تحالف إستراتيجي كامل، فإنني لا أستند إلى انطباعات عابرة أو تصورات ذهنية مسبقة، وإنما إلى واقع و وقائع سياسية ودبلوماسية معلومة، وإلى قراءة ممتدة لذاكرة العلاقة بين البلدين الشقيقين في مختلف منعطفاتها، بما شهدته من تقارب وتباعد، وانفتاح و انكماش، وتنسيق وقطيعة عبر مراحل تاريخية متعاقبة. فالتحالفات الإستراتيجية بين الدول لا تُقاس فقط بلغة الخطاب السياسي أو حرارة التصريحات الدبلوماسية، وإنما تُقاس أيضاً بمستوى الاستمرارية و الثبات المؤسسي والقدرة المشتركة على تجاوز التحولات الظرفية و الإقليمية.
▪️وعليه، ومن خلال ما أورده سعادة السفير في رده، تبرز جملة من التساؤلات المشروعة:
فإذا كانت العلاقة بين الخرطوم وأسمرة قد بلغت بالفعل مستوى “الشراكة الإستراتيجية الراسخة”، فلماذا ظل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لفترة طويلة دون مستوى السفير، قبل تعيين السفير الحالي قبل نحو عام ونصف، خلفاً للقائم بالأعمال السابق خالد عباس؟ وإذا كانت العلاقة السودانية الإريترية قد بلغت بالفعل مستوى “الشراكة الإستراتيجية الراسخة”، فلماذا لم تنعكس هذه الشراكة — حتى الآن — في صورة نتائج عملية واضحة على الأرض؟
▪️فقبل نحو سبعة أشهر، زار رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس أسمرة على رأس وفد رفيع المستوى، في زيارة كتبتُ ووصفتُها وقتها بأنها “زيارة تاريخية ومهمة ومفتاحية نحو تطوير العلاقات الثنائية، وفتح آفاق أوسع للتنسيق والتعاون والتحالف الإستراتيجي بين البلدين الشقيقين”. ثم أعقبتها، بعد نحو خمسة وأربعين يوماً فقط، زيارة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إلى أسمرة، وهي أيضاً زيارة عكست — ظاهرياً — وجود حراك سياسي متقدم بين الجانبين.
▪️لكن، وبعيداً عن حفاوة الاستقبال والبيانات الرسمية واللغة الدبلوماسية المصاحبة للزيارتين، يبقى السؤال المشروع بعد مضي أشهر طويلة: ما الذي تحقق فعلياً على الأرض؟ وأين مخرجات تلك الزيارات على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو الاستثمارية؟ ففي تقديري، فإن كلتا الزيارتين — رغم أهميتهما السياسية والرمزية — لم تتركا حتى الآن أثراً عملياً واضحاً يمكن الاستناد إليه باعتباره مؤشراً على انتقال العلاقة إلى مرحلة التحالف الإستراتيجي الراسخ . فالتحالفات ورسوخها لا تُقاس فقط بكثافة الزيارات الرسمية أو دفء اللغة الدبلوماسية، وإنما بقدرتها على إنتاج سياسات مشتركة، و مشروعات تعاون مستدامة على الأرض، وآليات تنسيق مؤسسية، ومواقف متماسكة تتجاوز حدود الخُطب السياسية،و المجاملات الدبلوماسية والضرورات الظرفية.
▪️وفي هذا السياق، فإن ما ذهب إليه سعادة السفير من أن توصيفي لموقف الخرطوم تجاه العلاقة مع أسمرة باعتباره موقفاً يتسم بالبطء أو التردد ( لا يعكس حقيقة التوجه الإستراتيجي للدولة السودانية)، يظل — في تقديري — أقرب إلى التعبير الدبلوماسي الرسمي منه إلى توصيف الواقع العملي لمسار العلاقة خلال العقود الماضية. فلو كانت العلاقة قد بلغت بالفعل مستوى الشراكة الإستراتيجية الراسخة ، لكانت قد تجاوزت منذ وقت طويل حالة المد والجزر والتأثر المستمر بالتحولات الإقليمية، ولانعكس ذلك بصورة أوضح في مستوى التمثيل الدبلوماسي، والتكامل الاقتصادي، والتنسيق المؤسسي، والمشروعات المشتركة، وحجم الحضور السياسي المتبادل بين البلدين الشقيقين.
▪️كما أن الحديث عن أن (القيادتين تدركان بصورة عميقة أهمية التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني لحماية استقرار المنطقة)، هو حديث صحيح من حيث المبدأ، لكن جوهر مقالي لا يتعلق بوجود الإدراك السياسي أو عدمه ، وإنما بمدى تحوّل هذا الإدراك إلى سياسات عملية وشراكات مستدامة ومؤسسات تنسيق ثابتة تتجاوز حدود الظرف السياسي الآني.
▪️أما ما أورده سعادة السفير بشأن أن السودان (لم يكن يوماً بعيداً عن دعم أمن واستقرار إريتريا)، فهو أمر لا خلاف عليه تاريخياً، بل إن السودان ظل لعقود يمثل عمقاً سياسياً وشعبياً وإنسانياً مهماً للقضية الإريترية منذ سنوات النضال الثوري والكفاح المسلح، وحتى أُجري الاستفتاء على استقلال إريتريا في الفترة من 23 إلى 25 أبريل 1993 تحت إشراف الأمم المتحدة، وأسفرت نتائجه عن تصويت نحو 99.8% لصالح الاستقلال، ليُعلن بعد ذلك استقلال إريتريا رسمياً في 24 مايو 1993، وفي ذات اليوم زفت الخرطوم أسمرة والرئيس أسياس أفورقي إلى الإقليم والعالم رئيساً لدولة إريتريا المستقلة. لكن، وفي المقابل، فإن تاريخ العلاقة نفسه يكشف أيضاً أن هذا الترابط العضوي الذي يتحدث عنه الخطاب الدبلوماسي لم يمنع وقوع فترات توتر وقطيعة، وتبادل اتهامات، ودعم معارضات في مراحل مختلفة، وهو ما يؤكد أن العلاقة — رغم خصوصيتها — لم تستقر دائماً عند مستوى التحالف الإستراتيجي الراسخ.
▪️كما أن الحديث عن أن السياسة الخارجية السودانية تتحرك ( بثقة وانفتاح كاملين( تجاه أسمرة، وأنها لا تعاني من أي تردد أو هواجس، تصطدم به — في تقديري — وقائع عديدة ظلت حاضرة في مسار العلاقة، سواء من حيث بطء تطوير التعاون الثنائي، أو محدودية الانتقال نحو شراكات اقتصادية وأمنية كبرى، أو استمرار التعاطي الحذر مع العلاقة داخل بعض دوائر القرار السوداني. أما القول إن الحديث عن “الهواجس السودانية” تجاه تطوير العلاقة مع إريتريا ( لا يجد ما يسنده)، فربما يصعب التسليم به بصورة مطلقة، لأن تاريخ المنطقة نفسه يكشف حجم التأثيرات الإقليمية والدولية التي ظلت حاضرة في تشكيل مقاربات الخرطوم تجاه أسمرة، كما أن بعض دوائر السياسة السودانية ظلت، لسنوات طويلة، تنظر إلى العلاقة مع إريتريا بمنطق أمني وتحفظي أكثر من النظر إليها باعتبارها شراكة إستراتيجية طويلة المدى.
▪️وفي تقديري، فإن جزءاً من الأزمة ظل مرتبطاً بعقلية سياسية سودانية تقليدية تعاملت مع العلاقة مع إريتريا بحذر مفرط، وتأثرت أحياناً بهواجس وصور ذهنية صنعتها أطراف إقليمية لا تنظر بعين الرضا إلى أي تقارب عميق بين الخرطوم وأسمرة. كما أن بعض دوائر القرار السوداني ظلت تنظر إلى العلاقة مع إريتريا بمنطق أمني محدود تحكمه الحسابات المرحلية، أكثر من النظر إليها باعتبارها علاقة إستراتيجية طويلة المدى يمكن أن تمنح السودان عمقاً مهماً في معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
▪️أما حديث سعادة السفير عن أن تخصيص الدعوة للسفير السوداني دون بقية السفراء المعتمدين في أسمرة يمثل (أبلغ دليل) على خصوصية العلاقة ورضا الجانب الإريتري عنها، فهو حديث يمكن أن يصدر بصورة طبيعية من كاتب أو محلل سياسي يقرأ الإشارات السياسية والدبلوماسية، لكنه — عندما يصدر عن سفير يمثل دولته رسمياً — قد يضع دولة الاعتماد نفسها في حرج دبلوماسي أمام بقية البعثات المعتمدة لديها، بحكم حساسية الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية في مثل هذه القضايا. ورغم ذلك، فإن الواقعة نفسها تظل ذات دلالة سياسية مهمة، وتعكس بالفعل خصوصية العلاقة بين السودان وإريتريا، كما تعكس حجم الرهان الإريتري على تطوير العلاقة مع الخرطوم خلال المرحلة الحالية.
▪️وفي المقابل، تبدو أسمرة — على الأقل في هذه المرحلة — أكثر وضوحاً في تعريف مصالحها الإقليمية، وأكثر استعداداً لبناء تحالفات مستقرة، بينما لا تزال الخرطوم تتحرك أحياناً بعقلية الترقب وانتظار اتضاح موازين القوى الإقليمية.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️يبدو أن سعادة سفيرنا بأسمرة قرأ مقالنا بعين ناقدة ربما انشغلت بالجزء الفارغ من الكوب أكثر من التفاتها إلى جانبه الممتلئ. فنحن، حين نحلل العلاقة بين الخرطوم وأسمرة من منظور إستراتيجي، لا نسعى إلى التقليل من أهمية التقارب القائم أو من دفء العبارات التي تضمنها رد السفير، وإنما ندعو إلى الانتقال بالعلاقة من مرحلة المجاملات الدبلوماسية والتفاهمات العامة إلى مرحلة الخطوات العملية الواضحة.
▪️فالعلاقة بين البلدين الشقيقين تحتاج اليوم إلى شراكة إستراتيجية ذكية، وتحالف مُعلن، واتفاقيات ومذكرات تفاهم وتعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاستثمارية، خاصة في ظل واقع إقليمي يشهد تكتلات وتحالفات متسارعة من حولنا، كما هو الحال في التقارب المصري ـ الإريتري ـ الصومالي.
▪️ولا نريد للخرطوم أن تكون بمعزل عن أي فرصة إستراتيجية يمكن أن تسهم في تعزيز أمن واستقرار ورفاهية الشعبين الشقيقين، أو أن تظل أسيرة الحسابات التقليدية والتردد في بناء شراكات تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
▪️وما أوردناه بشأن بطء التحرك لا يقدح في حميمية العلاقة بين النظامين أو الشعبين الشقيقين، بل هو دعوة صريحة إلى مزيد من التقارب والتنسيق بين رقعتين جغرافيتين يجمعهما مصير مشترك و تحديات إقليمية واحدة، بما يفتح الباب أمام علاقة أكثر رسوخاً واستدامة ووضوحاً في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى