أخر الأخبار

الخنساء مجدي تكتب … من التالي في طابور الهروب الكبير؟

ما جرى مع “السافنا” ليس حادثة عابرة ولا مجرد اختلاف تنظيمي داخل مليشيا تتآكل أطرافها تحت نيران الميدان والخذلان السياسي بل هو إعلان صريح بأن مشروع آل دقلو نفسه بدأ يتحول إلى “محرقة” يفر منها القادة قبل الجنود ويقفز منها الناجون قبل أن يبتلعهم المركب الغارق

السافنا الذي ظل لسنوات أحد وجوه الحرب القاسية اختار أن يخلع كدمول المليشيا ويبتعد عن “القضية الوهمية” التي باعت آلاف الشباب سراب السلطة وأوهام السيطرة بينما كانت الحقيقة الوحيدة هي تحويل السودان إلى ساحة خراب مفتوحة لمصالح الخارج وأمراء الدم.

قد يختلف أسلوبه عن النور القبة، لكن النتيجة واحدة:
الهروب من آل دقلو… والهروب من النهاية المحروقة.

فالانشقاقات لم تعد مجرد تصدعات عسكرية بل أصبحت رسائل هلع داخلية تؤكد أن الثقة في قيادة المليشيا انهارت وأن كثيراً من القادة باتوا يدركون أن الحرب لم تعد معركة يمكن الانتصار فيها

والأخطر أن هذه الانشقاقات تحمل في داخلها بعداً استخباراتياً وعسكرياً بالغ الحساسية لأنها لا تسحب رجالاً من الميدان فقط، بل تسحب معهم أسراراً وخططاً وشبكات إمداد ومسارات تحرك وهو ما يجعل كل انشقاق صفعة مدوية في وجه المليشيا

لكن وعلى الرغم من أهمية هذا التحول فإن المشهد لا ينبغي أن يُقرأ بعاطفة سياسية قصيرة النظر ولا بمنطق “الاستثمار في البنادق

فهنا تكمن العقدة الأخطر

لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لدائرة الولاءات الموسمية؛
قادة يحملون السلاح ضد الدولة ثم يعودون إليها بضمانات ومناصب وأموال ثم ينقلبون عليها مرة أخرى عندما تتغير الموازين.
دائرة عبثية أنتجت أمراء حرب أكثر مما أنتجت دولة.

ولهذا فإن أي عملية استسلام أو عودة يجب ألا تتحول إلى “مقاولة سياسية” جديدة أو موسم لتوزيع المكافآت على من حمل السلاح وروع المدنيين.
فالعودة إلى الدولة ليست بطولة… وليست صفقة تجارية … وليست حفلاً للتكريم.

بل يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل لتفكيك عقلية التمرد نفسها.

المطلوب اليوم ليس فقط نزع السلاح من الأيدي بل نزع السموم من العقول
و تفكيك ثقافة الإفلات من العقاب

هذه المعادلة هي التي أحرقت السودان لعقود وهي التي صنعت اقتصاد الحرب وفتحت أبواب البلاد للمرتزقة والسماسرة وتجار الدم.

إن نجاح الدولة الحقيقي لا يُقاس بعدد العائدين فقط، بل بقدرتها على تحويل الاستسلام من “تكتيك نجاة” إلى قناعة نهائية بأن لا مستقبل خارج الدولة ولا مكان لمليشيا فوق الوطن.

ومن هنا فإن أي تسوية ذكية يجب أن تقوم على ثلاثة أعمدة:
المحاسبة… وإزالة السموم الفكرية… وإعادة الدمج الوطني الحقيقي.

أما الاكتفاء بتبديل مواقع البنادق، فليس سوى إعادة تدوير للحرب بصورة أخرى.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً للمليشيا:
أن مسلسل الهروب بدأ فعلاً.

فكل قائد يغادر وكل مجموعة تستسلم وكل مقاتل يكتشف أنه كان وقوداً لمشروع شخصي يعني أن جدار المليشيا يتشقق من الداخل وأن مشروع التقسيم يتلقى ضرباته الأخيرة.

لقد تحولت البندقية التي وُجهت يوماً إلى صدر الدولة والمدنيين إلى بندقية تبحث اليوم عن طوق نجاة تحت راية الدولة نفسها.

وهنا تحديداً تكمن الهزيمة الكبرى لآل دقلو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى