أخر الأخبار

لمسات – مصطفى فضل المولى – دمج وتسريح القوات المتحالفة مع الجيش ضرورة لمنع تكرار التمرد في السودان

تواجه الدولة السودانية تحديًا بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل القوات المتحالفة مع الجيش، وهو ملف لا يحتمل التأجيل أو المعالجة المؤقتة. فاستمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج الإطار المؤسسي الرسمي يمثل خطرًا مباشرًا على استقرار البلاد، مهما كانت طبيعة التحالفات الحالية أو دوافعها العسكرية.

إن الإسراع في دمج وتسريح جميع القوات المتحالفة مع الجيش أصبح ضرورة أمنية وسياسية، لأن أي تأخير في حسم هذا الملف قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة جديدة. فالتجارب السابقة في السودان أثبتت أن القوى المسلحة التي تنشأ أو تتمدد في ظروف الحرب غالبًا ما تتحول لاحقًا إلى مراكز نفوذ مستقلة، خاصة عندما تغيب الرؤية الواضحة بشأن مستقبلها.

الخطر الأكبر يكمن في احتمالية ظهور الحلقة الثانية من التمرد، من خلال إعادة تشكل التحالفات العسكرية على أسس قبلية أو مناطقية. وقد تبدأ هذه المرحلة عبر تقارب بعض العناصر المنضمة سابقًا إلى المليشيات، أو الفصائل المرتبطة بالمحاميد، مع حركات الكفاح المسلح، تحت مبررات حماية المجتمعات المحلية أو الدفاع عن الحواكير والأراضي التقليدية في دارفور.

وفي بيئة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتعقيدات اجتماعية، فإن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة يخلق فرصًا دائمة لإعادة الاصطفاف. فحين تشعر الجماعات المسلحة بأن مصالحها أو نفوذها مهددان، فإنها غالبًا ما تلجأ إلى إعادة تنظيم نفسها ضمن تحالفات جديدة، ما يعيد إنتاج الصراع بدل إنهائه.

كما أن أي مشاورات أو تفاهمات سياسية وأمنية لا تُربط بخطة واضحة لحسم ملف القوات المتحالفة مع الجيش قد تتحول إلى إجراءات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة. فغياب الحسم في هذا الملف يمنح القوى المسلحة مساحة لإعادة التموضع، ويجعل الاتفاقات عرضة للاهتزاز عند أول تغير في موازين القوة أو المصالح. لذلك، فإن نجاح أي تسوية مستقبلية في السودان يبقى مرهونًا بوجود رؤية واضحة تنهي تعدد التشكيلات المسلحة وتؤسس لاحتكار الدولة للقوة العسكرية.

إن بناء دولة مستقرة يتطلب وجود مؤسسة عسكرية واحدة تحت قيادة موحدة، بعيدًا عن تعدد الولاءات أو القوى الموازية. ولهذا، فإن قيادة الجيش مطالبة بوضع خطة واضحة وسريعة لدمج وتسريح هذه القوات، وفق ترتيبات مؤسسية تضمن الاستقرار وتمنع عودة التمرد في صورة جديدة.

لمسة أخيرة:
السودان اليوم لا يواجه تحدي إنهاء الحرب فقط، بل تحدي منع تكرارها. فالدول لا تستقر بوقف القتال وحده، وإنما بقدرتها على معالجة أسباب الصراع وإغلاق منافذ عودته. لذلك، فإن حسم ملف القوات المتحالفة مع الجيش يمثل خطوة مفصلية في طريق بناء دولة تحتكر السلاح وتؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا، بعيدًا عن تعدد الولاءات واحتمالات الانقسام من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى