واجب المجتمع تجاه أسر شهداء معركة الكرامة كفالة الايتام … الوفاء الذي لا يسقط بالتقادم

بقلم : ندى عثمان عمر الشريف

ففي الأزمنة العادية، تُقاس قوة الأوطان بما تملكه من موارد واقتصاد ومؤسسات، لكن في أزمنة الحرب والمحن، تُقاس حقيقتها بما تحفظه من وفاء لرجالها الذين دفعوا أرواحهم دفاعًا عنها. فالشهداء لا يرحلون وحدهم؛ إنهم يتركون خلفهم أمهات مثقلات بالفقد، وأطفالًا كبروا قبل أوانهم، وبيوتًا غاب عنها صوت الآباء إلى الأبد.
شهداء معركة الكرامة لم يكونوا مقاتلين عابرين في سجل الحرب، بل كانوا أبناء هذا الشعب، خرجوا وهم يدركون أن الوطن يمر بلحظة فاصلة، وأن الحفاظ على تماسكه وكرامته يتطلب تضحيات جسيمة. بعضهم ترك خلفه طفلًا لم يتعلم بعد معنى الغياب، وآخرون تركوا أبناءً ينتظرون عودة آبائهم التي لن تأتي. وهنا تبدأ مسؤولية المجتمع الحقيقية.
إن الحديث عن كفالة أيتام الشهداء لا ينبغي أن يُختزل في إطار العمل الخيري التقليدي، لأن القضية أعمق من مجرد إعانة مالية أو مبادرة موسمية. إنها قضية وفاء ووعي أخلاقي ومسؤولية وطنية. فالأمم التي لا تحفظ أبناء من ضحوا من أجلها، تفقد جزءًا من قيمتها الإنسانية قبل أن تفقد تماسكها الاجتماعي.
الأيتام الذين صنعتهم الحرب لا يحتاجون فقط إلى الطعام والملبس، بل يحتاجون إلى شعور دائم بالأمان، وإلى مجتمع يخبرهم كل يوم أن تضحيات آبائهم لم تُنسَ، وأن الوطن الذي ماتوا دفاعًا عنه لن يترك أبناءهم في مواجهة الحياة وحدهم. يحتاجون إلى مدارس تحتضن أحلامهم، وإلى رعاية صحية تحفظ كرامتهم، وإلى دعم نفسي يخفف عنهم قسوة الفقد المبكر.
كما أن كفالة هؤلاء الأطفال ليست مسؤولية الدولة وحدها، رغم أن الدولة تتحمل العبء الأكبر في توفير التشريعات والرعاية المؤسسية. المسؤولية تمتد إلى رجال الأعمال، والمبادرات المجتمعية، والمؤسسات الإنسانية، والإعلام، وحتى الأفراد العاديين. فربما تكون مساهمة صغيرة سببًا في استمرار طفل في مقاعد الدراسة، أو علاج مريض، أو إعادة الأمل إلى أسرة أنهكتها الحرب.
المجتمعات العظيمة لا تُعرف فقط بكيفية خوضها للمعارك، بل بكيفية تعاملها مع آثار تلك المعارك. والانتصار الحقيقي لا يتحقق في ساحات القتال وحدها، بل يتحقق أيضًا عندما يشعر أبناء الشهداء أنهم يعيشون بكرامة، وأن المجتمع الذي حمى آباؤهم وجوده لم يتخلَّ عنهم بعد رحيلهم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أسر الشهداء ليس الفقر وحده، بل النسيان. لذلك، فإن الحفاظ على مكانة الشهداء في الوجدان العام واجب لا يقل أهمية عن الدعم المادي. يجب أن يكبر أبناؤهم وهم يشعرون بالفخر، لا بالشفقة؛ وأن يُنظر إليهم باعتبارهم أبناء رجال صنعوا موقفًا تاريخيًا، لا مجرد ضحايا حرب.
وفي عالم تتسارع فيه المآسي وتتنافس فيه الأخبار على خطف الانتباه، تبقى قيمة الوفاء هي الاختبار الأصعب لأي مجتمع. فحين نمد أيدينا لأيتام الشهداء، نحن لا نقدم إحسانًا، بل نسدد جزءًا من دين أخلاقي لن يكتمل سداده أبدًا.
ختامًا، ان كفالة أيتام شهداء معركة الكرامة ليست واجبًا إنسانيًا فحسب، بل رسالة حضارية تؤكد أن هذا المجتمع ما زال قادرًا على حماية قيمه في أصعب الظروف. فالأوطان لا تُبنى بالتضحيات وحدها، بل تُبنى أيضًا بحفظ حقوق من دفعوا ثمن بقائها.

Exit mobile version