
تقف ربة المنزل أمام “حلة الدمعة” تراقبها بعين خبيرة.. تُضيف قليلاً من الماء، تتريث لحظة، تخفّض النار، ثم تبتسم راضية حين تفوح الرائحة الزكية في أرجاء البيت. وهكذا، ودون أن تدري، قدمت ربة المنزل أبلغ درس في الاقتصاد معروف ومكتوب في ذاكرة كل بيت سوداني. طبخة الدمعه
“حلة الدمعة هنا في هذا المقال ليست مجرد طبخة بل معادلة دقيقة بين مكونات صلبة غنية وماء محسوب بتناسب دقيق ونار هادئة؛ إن زاد الماء ضاعت “التسبيكة”، وإن قل اللحم فقدت الطبخة قيمتها، وإن زادت النار احترق كل شيء!
إنها محاولة لتشبيه مكونات وعملية طبخ حلة الدمعه بدرس في الاقتصاد الكلي بكل تفاصيله بلغة المطبخ بهذا التشبيه تنكشف أمامنا بطريقة سهلة أسباب ما نعيشه اليوم وتتضح سُبل العلاج لتحقيق استقرار سعر الصرف.
تخيل معي، أن هذه الحلة هي بالضبط اقتصادنا الوطني بكل تعقيداته وتفاعلاته؛ حيث المكونات الصلبة الغنية من لحم وبصل وطماطم تمثل الإنتاج الحقيقي (الزراعة والصناعة والخدمات)، وهو ما يعرف بالناتج المحلي الإجمالي، أي إجمالي ما ننتجه من سلع وخدمات من مواردنا المتاحة. بينما الماء الذي يُسكب بعناية يمثل السيولة النقدية، وهي كمية النقود المتداولة في أيدي الناس والأسواق. والنار الهادئة والمستقرة التي لا تعلو فتحرق ولا تخفت فتترك الطعام نيئاً، تمثل السياسات الاقتصادية والنقدية الرشيدة التي توجه مسار الاقتصاد بحكمة ومعرفة.
هذا التشبيه، ينعكس على معادلة كمية النقود، وهي نظرية اقتصادية تقول: “إذا زادت النقود (الماء) بلا زيادة موازية في الإنتاج (المكونات الصلبه )، ترتفع الأسعار بنفس النسبة”؛ وهو ما يسمى التضخم، أي الارتفاع المستمر في أسعار السلع وضعف القوة الشرائية للعملة. وإذا قل اللحم والمكونات الصلبة، تفقد الحلة قيمتها وتصبح خفيفة بلا طعم. وهذا يعكس تماماً حالة الركود الاقتصادي حيث يتراجع الإنتاج الوطني بشكل حاد، وتقل فرص العمل المتاحة، وتتسع دائرة الندرة. وإذا زاد الماء (النقود) بلا حساب وبلا تغطية إنتاجية، تحدث مشكلة حقيقية في الاقتصاد.
إن النار الهادئة والمستقرة ضرورية جداً؛ لأن النار العاتية تحرق الحلة بسرعة، والنار الضعيفة لا تطهيها بل تتركها نيئة. وفي مطبخنا الاقتصادي الوطني، تتشارك جهات مهمة ومحورية في طهي هذه الحلة بعناية فائقة.
وزارة المالية مثلاً، تنظم الإنفاق الحكومي والإيرادات العامة عبر السياسة المالية. والبنك المركزي يصدر السياسات النقدية لتنظيم كمية النقود المتداولة وضمان استقرار سعر الصرف. بينما يمثل القطاع الخاص بكل أشكاله، المحرك الأساسي والرئيسي للإنتاج والعمل وخلق الثروة.
في الظروف الاستثنائية والصعبة، قد تضطر الجهات المسؤولة لزيادة السيولة النقدية لمواجهة الالتزامات الضرورية والعاجلة. و مع ذلك تنص الدول في تشريعاتها على استقلالية البنك المركزي، لمنع التمويل بالعجز على التسيير الذي يضر بالحلة بشكل مباشر.
فكيف للعملة الان ان تصبح مستقرة؟ ما هي كمية الماء الزائدة في الحلة؟ إنها النقود التي تم ضخها بلا تغطية إنتاجية فعلية بإنتاج مكون صلبه تساوي كمية الماء الزائدة
مع ذلك هل يمكننا إضافة المزيد من الماء للصرف على إعادة الإعمار والبناء؟ الإجابة، نعم بكل تأكيد؛ لأن حجم موارد الإنتاج المتاحة للمكونات الصلبة كبير جداً والحمدلله فالسودان يزخر بموارد طبيعية هائلة من أراضٍ زراعية ومعادن ورأس مال بشري مبدع ومبتكر. إذن المطلوب هو كيفية يمكن استغلال تلك الموارد
حتى في ظل التحديات الحالية المريرة، يمكننا إعادة التوازن بالإسراع الفوري بطرق وأساليب جديدة ومبتكرة.
وصفة العلاج بمقترحات قابلة للدراسة تبدأ بتشجيع المنتجين بأساليب مبتكرة ودعم الصادرات وهنا يأتي دور الميزان التجاري. فعندما تزيد الصادرات، يتحسن الميزان التجاري ويجلب لنا عملات أجنبية قوية تبني احتياطيات تحمي عملتنا من التذبذب. ولتحقيق ذلك، يجب تحفيز المنتج والمصدر بحوافز اقتصادية فعالة ومجربه في دول أخرى لتشجع على زيادة الإنتاج للصادر وتحسين الجودة لزيادة القدرة التنافسية للمنتج السوداني في الأسواق العالمية.
الخطوة الثانية والأكثر طموحاً، تتمثل في مقترح يمكنه حل جميع المشاكل ذات الصلة ويشكو منها الجميع، وهو إنشاء عدد مناطق اقتصادية إنتاجية حرة مختلفة تبلغ مساحة الواحدة منها حتي حوالي مليون فدان بنظام مشابه للتجارب العالمية في هذا المجال نظام قضائي ومالي وهياكل إدارية لتجذب الاستثمار الأجنبي المباشر لإنشاء مشاريع حقيقية ومنتجة تعتمد على موارد السودان الطبيعية الضخمة. وهذه المناطق تعمل بقواعد العالم وتتحدث بلغة يفهمها المستثمر الدولي كان دول أم شركات
هذه المناطق المقترحة ستحول مواردنا الطبيعية إلى منتجات عالية القيمة المضافة، وتوفر فرص عمل وتدريب كبيرة للشباب وتسهم بشكل مباشر في تقوية الإنتاج الحقيقي وزيادة الصادرات والاحتياطيات الأجنبية.
وهناك أيضاً التركيز على القيمة المضافة والتنويع الاقتصادي وعدم الاعتماد على مورد واحد فقط، بل توسيع قاعدة الإنتاج والصادرات.
لتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ لتقليل الواردات والحماية من التضخم المستورد (ارتفاع الأسعار العالمية).
كل هذه الخطوات تعمل معاً لإعادة التوازن بين مكونات “حلتنا الاقتصادية” وتحقيق الاستقرار المطلوب.
حلة الدمعة “المسبكة” ليست حلماً بعيد المنال، بل هدف يمكن تحقيقه بالتخطيط السليم والعمل الدؤوب والعزم، وتعاون الجميع معاً بروح طيبة حكومة وقطاعاً خاصاً ومواطنين وبحسن استغلال مواردنا الطبيعية وابتكارنا المستمر.
بهذه العناصر المجتمعة، يمكننا طهي اقتصاد وطني قوي ومتعافٍ يحقق الاستقرار الدائم والرخاء العميم.
ويبقى الأساس المتين، هو دعم المجتمع بكل فئاته للمنتجين في قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات والابتكار تحقيقاً لرفاهية الجميع واستقرارهم.
ولتكن البداية منذ الآن؛ لأن الإرادة القوية تصنع المعجزات وتحقق الأحلام



