أخر الأخبار

الزين اب شنب يكتب : غياب المشروع الوطني الجامع

فحين يغيب الوطن… تطول الحرب
وليست كل الحروب تُحسم في ميادين القتال، ولا كل اتفاقيات السلام تُنهي الصراع. في السودان، تتكسر محاولات وقف الحرب الواحدة تلو الأخرى، لا لأن الحلول شحيحة أو الوسطاء عاجزون، بل لأن شيئاً أعمق ظل غائباً: مشروع وطني جامع حقيقي يُشبه الناس ويجمعهم.
الحرب هنا ليست مجرد اشتباك بين جيوش، بل صراع رؤى متناقضة حول معنى الدولة نفسها. من يملكها؟ ولمن تُدار؟ وكيف تُقسم السلطة والثروة؟ إنها مواجهة بين هويات متزاحمة، ومصالح متضاربة، وتاريخ طويل من الإقصاء وسوء الفهم. لذلك، كل محاولة لوقف النار تبدو كمن يضع ضماداً على جرح لم يُشخّص بعد.
المشروع الوطني الجامع، في جوهره، ليس وثيقة سياسية تُوقّع في قاعة مغلقة، بل هو عقد أخلاقي واجتماعي يلتف حوله الناس طوعاً. عقد يُجيب بوضوح على أسئلة العدالة والانتماء والمواطنة. لكنه في السودان ظل، لسنوات، حبيس النخب… يُصاغ بلغة لا تصل إلى الناس، ويُناقش في دوائر لا تمثلهم. وهنا تكمن المأساة: وطن يُفترض أن يكون ملكاً للجميع، صار فكرة يتداولها القليلون.
فحين يغيب هذا المشروع، تصبح التسويات السياسية مجرد هدنة مؤقتة، لا سلاماً دائماً. تتوقف البنادق، لكن جذور الصراع تبقى حيّة، تنتظر لحظة أخرى لتنفجر. لأن السلام الحقيقي لا يُفرض من أعلى، بل يُبنى من الداخل… من قناعة الناس بأن هذا الوطن يسعهم جميعاً، وأن عدالتهم فيه ليست منّة، بل حق أصيل.
إن أخطر ما في الحرب ليس الدمار الذي تخلّفه، بل التشظي الذي تزرعه في وعي الناس. حين يفقد المواطن ثقته في فكرة الوطن، يصبح الانتماء هشاً، وتغدو الجماعات الصغيرة بديلاً عن الكل الكبير. عندها، لا تعود المشكلة في غياب الاتفاقات، بل في غياب الإيمان بها.
لذلك، فإن الطريق إلى وقف الحرب في السودان لا يبدأ من طاولات التفاوض وحدها، بل من إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ووطنه. من خطاب صادق يصل إلى القرى قبل العواصم، ويُشعر كل فرد أنه جزء من المعادلة، لا هامش فيها. مشروع وطني يُبنى بلغتهم، ويُصاغ من معاناتهم، ويعكس تطلعاتهم.
السلام ليس توقيعاً… بل وعي.
والوطن ليس شعاراً… بل تجربة يعيشها الناس بعدل وكرامة.
وما لم يتحول هذا الفهم إلى قناعة عامة، ستظل كل نهاية للحرب مجرد استراحة قصيرة… في طريق صراع لم يجد بعد اسمه الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى