أخر الأخبار

حين يتآكل الداخل: انشقاق النور قُبة يكشف أزمة الثقة والبنية داخل الدعم السريع

 

في دارفور، لا تنهار القوى حين تُهزم في الجبهات، بل حين يبدأ تماسكها البنيوي في التآكل، بصمت لا يُرى، لكن نتائجه لا تُخطئ.

في العادة، لا أميل إلى الكتابة في القضايا المرتبطة بالقبائل، ليس تجاهلاً لها، بل لأن هذا الملف في دارفور شديد الحساسية، وأي تناول غير دقيق قد يُفهم خارج سياقه. لكن في بعض اللحظات، يصبح تجاهل هذا البعد مستحيلاً، لأن فهم ما يجري على الأرض لا يكتمل بدونه. ليس الهدف هنا توصيف القبائل أو الانحياز لها، بل قراءة المشهد كما هو، ضمن توازناته الحقيقية التي تُحرك الأحداث في الإقليم.

في هذا السياق، لا يبدو انشقاق اللواء النور أحمد آدم «النور قُبة» عن قوات الدعم السريع في أبريل 2026 حدثاً معزولاً، بل لحظة انكشاف لمسار طويل كان يتشكل بصمت داخل بنية هذه القوة. فالأحداث الكبيرة في دارفور نادراً ما تبدأ بشكل مفاجئ، بل تأتي نتيجة تراكمات صامتة لا تظهر إلا عندما تصل إلى نقطة لا يمكن إخفاؤها.

في دارفور، لا تُقاس القوة بالسلاح فقط، بل بالقدرة على الحركة داخل شبكة معقدة من المسارات الرعوية، والامتدادات القبلية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود. هذه الشبكة تمثل ما يمكن تسميته بـ«العمق العملياتي غير المرئي»، ومن يملكها يملك القدرة على التأثير الفعلي، حتى وإن لم يظهر ذلك في التقديرات العسكرية التقليدية. ولهذا، فإن القادة الذين نشأوا داخل هذا الواقع لا تُقاس أهميتهم برتبهم، بل بقدرتهم على إدارة هذه الشبكة المعقدة.

من هذه الزاوية، لا يبدو النور قُبة مجرد قائد ميداني، بل أحد مفاتيح هذه الشبكة. فهو ينتمي إلى المحاميد، أحد الفروع الرئيسية للرزيقات الشمالية، وهي ذات البيئة التي خرج منها موسى هلال، بما تمثله من ثقل داخل منظومة الإدارة الأهلية. وفي مثل هذا السياق، لا يكون القائد مجرد موقع تنظيمي، بل عقدة داخل شبكة علاقات؛ وعندما تتحرك هذه العقدة، فإن الأثر لا يكون فردياً، بل يمتد إلى التوازنات التي ترتبط بها.

الدعم السريع، بطبيعته، لم يُبنَ كمؤسسة عسكرية تقليدية، بل كنظام توازنات بين قوى قبلية وميدانية ومصالح متداخلة. هذا النموذج نجح في فترات التوسع، حين كانت الموارد والتمدد يغطيان التناقضات، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما تتراكم الضغوط، وتبدأ المصالح في التصادم، ويظهر التفاوت بين من يملكون القرار ومن يملكون الأرض.

ما حدث خلال الأشهر الماضية يشير بوضوح إلى أن هذا التوازن بدأ يختل تدريجياً. لم يكن الأمر صداماً مباشراً، بل سلسلة من المؤشرات الصغيرة التي بدت في وقتها هامشية، لكنها في الواقع كانت تعكس تحولاً عميقاً داخل البنية. من هذه المؤشرات: التعيينات، إعادة توزيع النفوذ، وطبيعة التعامل مع بعض القيادات الميدانية.

ومن أهم هذه التحولات ما بدأ منذ أواخر 2025، مع تصاعد حالات الاعتقال داخل الدوائر الحساسة، وعلى رأسها اعتقال عباس كتر بخيت، أحد قيادات الزغاوة ذات النفوذ القبلي، والذي كان يشغل موقعاً مهماً في الجهاز الاستخباراتي بشمال دارفور قبل سقوط الفاشر. في مثل هذه البنى، يُعد هذا الجهاز العمود الفقري لما يمكن تسميته بـ«الأمن الداخلي التنظيمي»، حيث لا يقتصر دوره على جمع المعلومات، بل يمتد إلى ضبط الولاءات وإدارة التوازنات.

وعندما يتعرض هذا المستوى للاهتزاز، فإن ذلك لا يُقرأ كحادثة فردية، بل كمؤشر على خلل في منظومة «إدارة الثقة». ففي مثل هذه التكوينات، لا يبدأ التفكك عندما تختلف القيادات، بل عندما تبدأ في الشك ببعضها. فالولاء هنا ليس انضباطاً عسكرياً فقط، بل علاقة اجتماعية ممتدة، وعندما يتحول إلى موضع اختبار، فإن ذلك يعيد تشكيل طبيعة التماسك داخل التنظيم بالكامل.

هذا التحول لا يظهر فوراً في شكل انقسامات، بل يخلق حالة من الحذر داخل القيادات، حيث تبدأ كل مجموعة في بناء دوائر أمان خاصة بها، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تفكك القرار المركزي. وهذه هي المرحلة التي يمكن وصفها بـ«القلق البنيوي»، وهي أخطر من الانقسام المعلن، لأنها تحدث بصمت.

وإذا كان هذا التحول قد بدأ داخل الغرف المغلقة، فإن أحداث مستريحة كشفت أثره على الأرض. فاستهداف منطقة ذات ثقل اجتماعي مرتبط بموسى هلال لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة كسرت العلاقة بين القوة وحاضنتها. ففي دارفور، الحاكورة ليست مجرد أرض، بل تمثل امتداداً للشرعية الاجتماعية، واستهدافها يُفهم بوصفه تحولاً في طبيعة العلاقة بين القوة وبيئتها.

ولم تكن هذه التطورات معزولة عن السياق الأوسع، بل ارتبطت مباشرة بما سبقها من مؤشرات داخلية، وعلى رأسها اعتقال عباس كتر بخيت، الذي شكّل نقطة تحول في إدراك القيادات لطبيعة المرحلة. فهذه الحادثة خلقت حالة من الشك داخل الدوائر المرتبطة به، خاصة في ظل موقعه داخل منظومة الاستخبارات، ما انعكس على مستوى الثقة داخل التنظيم.

وعندما انتقلت هذه التوترات إلى كتم خلال أبريل 2026، لم تعد مجرد مؤشرات داخلية، بل تحولت إلى واقع ميداني. فحادثة استهداف المدنيين خلال حفل زفاف، إلى جانب ما تردد عن محاولة اعتقال العقيد «حمودي عليا»، وما تبع ذلك من تحركات عسكرية تُقدّر بنحو خمسين عربة قتالية، كلها دلائل على أن الخلاف لم يعد قابلاً للاحتواء داخل الأطر التنظيمية.

عند هذه المرحلة، لا تعود الأزمة مجرد خلاف، بل تتحول إلى إعادة اصطفاف ميداني غير معلن، حيث تبدأ مراكز القوة في إعادة تموضعها خارج السيطرة المركزية.

في هذا السياق، لم يكن انشقاق النور قُبة بداية الأزمة، بل لحظة ظهورها للعلن. فقد جاء نتيجة لتقاطع عدة عوامل: ضغط اجتماعي، وتوتر داخلي، وتراجع تدريجي في مستوى الثقة داخل التنظيم.

وتشير التقديرات إلى أنه خرج بقوة تتراوح بين 21 و50 عربة قتالية، وهو ما يمكن وصفه بـ«وحدة مناورة عالية المرونة»، تعتمد على معرفة دقيقة بخطوط الإمداد غير التقليدية والمسارات الصحراوية. وخروج هذه القوة لا يعني فقط فقدان عنصر قتالي، بل فقدان جزء من الذاكرة العملياتية التي يصعب تعويضها.

وعلى المستوى القبلي، يعكس هذا التطور اختلالاً حساساً داخل الرزيقات نفسها، بين المحاميد والماهرية، وهو نوع من التوتر يُعد من أخطر أشكال الصراع، لأنه يحدث داخل الحاضنة، لا خارجها.

لكن التأثير الأعمق لا يبدو عسكرياً بقدر ما هو نفسي. فالتماسك داخل هذه التكوينات يعتمد على «الثقة التشغيلية»، أي الإحساس بأن القيادة قادرة على ضبط التوازنات. وعندما تبدأ هذه الثقة في التراجع—even بصمت—فإن أثر ذلك يظهر لاحقاً في شكل قرارات مترددة واصطفافات غير واضحة.

وهنا يحدث التحول الحقيقي: من سؤال «هل يمكن أن يحدث انشقاق؟» إلى سؤال «متى سيحدث؟»، وهو التحول الذي يشير إلى انتقال التنظيم من حالة التماسك إلى مرحلة القلق الداخلي.

ومن زاوية أوسع، يمكن فهم ما يحدث بوصفه انتقالاً من مرحلة التوسع إلى مرحلة تثبيت النفوذ، وهي المرحلة التي تظهر فيها التناقضات بشكل أوضح، ويصبح التعامل معها أكثر تعقيداً.

ولهذا، فإن ما يواجهه الدعم السريع لا يبدو انهياراً مفاجئاً، بل مساراً بطيئاً من التآكل، وهو النوع الأخطر من الأزمات، لأنه لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجياً حتى يصبح واقعاً.

وفي المقابل، يستفيد الجيش السوداني من هذه التحولات، ليس فقط من خلال استيعاب قيادات ميدانية، بل أيضاً عبر إعادة تشكيل ميزان الثقة داخل الصراع.

في النهاية، قد تبدو هذه الأحداث منفصلة، لكنها في الحقيقة مترابطة وتشير إلى مسار يتشكل بهدوء تحت السطح.

في دارفور، لا تنهار القوى عندما تُهزم في معركة،
بل عندما تبدأ في فقدان ثقتها بنفسها—وعندها، لا يكون الانهيار حدثاً، بل نتيجة مسار بدأ منذ زمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى