أخر الأخبار

دكتور صلاح دعاك يكتب : شذرات الدقير في وداع شيخ البادراب

قرأت مقالا للأستاذ الدكتور جلال يوسف الدقير، ينعى فيه شيخ البادراب الطيب الجد، وقد انتقل إلى ربه راضيا مرضيا. ولم يكن المقال مجرد كلمات وداع، بل كان عبورا هادئا في درب ليس باليسير؛ درب الكتابة عن رجال إذا ذكروا حضرت معهم عصور كاملة، لا سيرة فرد واحد.
ورغم أن بروف جلال وصف ما كتب بأنه “شذرات”، إلا أنها في حقيقتها لم تكن كذلك، بل كانت مفاتيح لنص أكبر، وإشارات إلى تاريخ ممتد تختزنه ذاكرة ود بدر، تلك المدرسة التي لم تكن يوما مجرد خلوة أو مسيد، بل كانت مشروعا روحيا وتربويا واجتماعيا متكاملا، تعاقبت عليه أجيال من أهل القرآن والتصوف، فصاغت منه سيرة حية تمشي بين الناس.
لقد نجح المقال في أن يضع القارئ أمام ملامح رجل جمع بين العلم الشرعي، والخبرة القضائية، والقيادة الاجتماعية، لكن قيمته الأعمق لم تقف عند حدود الترجمة لشخص الراحل، بل تجاوزتها إلى الإشارة الذكية، وإن كانت مختصرة، إلى السياق الذي أنجب هذه الشخصية. وكأن الكاتب يقول، دون تصريح، إن مثل هؤلاء الرجال لا يفهمون إلا من خلال مدارسهم، ولا تقرأ سيرتهم إلا في ضوء تاريخهم.
اختصر المقال تاريخا زاخرا، ربما لو بسط لاحتاج إلى مجلدات، لكنه أحسن انتقاء اللحظات الدالة: تربية في حضرة القرآن، وخدمة تسبق السيادة، ثم امتداد من محراب القضاء إلى ميدان الإصلاح المجتمعي. وهي ثلاثية تمثل في جوهرها خلاصة التجربة الصوفية السودانية في أنقى صورها، حيث لا ينفصل العلم عن العمل، ولا السلوك عن المجتمع.
وما يحسب لهذا النص أيضا أنه كتب بلسان العارف لا الناقل؛ فبين سطوره إشارات لا يلتقطها إلا من خبر هذا الطريق، وعرف أهله ولامس روحه. وليس ذلك بغريب على بروف جلال، فمعرفته بالتصوف ليست طارئة ولا مكتسبة من قراءة عابرة، بل هي ممتدة في الجذور؛ فوالده الشيخ يوسف الدقير كان من أهل الطريق، عرف بالتقوى والصلاح، حتى إننا، ونحن صغار، لم نعهده إلا بين ساجد أو ذاكر، أو قابض على مسبحته كأنها خيط يربطه بالسماء.
ولعل هذه النشأة هي التي منحت الكاتب تلك الحساسية العالية في قراءة التجربة الصوفية، لا بوصفها تراثا يروى، بل حياة تعاش.
وأذكر، في سياق يبدو بعيدا وهو في الحقيقة شديد الصلة، أنني حين زرت مدينة فاس، وقصدت مسجد وضريح الشيخ أحمد التيجاني، لفت نظري ذلك البناء المهيب والزخرفة التي تحيط بالمقام. وبينما أنا أتأمل، همس في أذني أحد الحاضرين، وقد علم أنني من السودان، بشيء من الاعتزاز: “هذا الضريح بناه رجل يدعى جلال الدقير”.
ابتسمت يومها، لا دهشة بل معرفة. فقد أدركت أن خيط العناية الذي يربط أهل السودان بالعلم والتصوف لا يقف عند حدود الجغرافيا، بل يمتد حيثما وجد أهل الذكر، وحيثما ارتفعت منارات العلم. ولم يكن ذلك العمل إلا شاهدا آخر على أن الاهتمام بالمساجد وأهلها، وبالطرق وأربابها، هو امتداد طبيعي لمسيرة تربت في أحضان القرآن، وتشربت روح الخدمة.
ومع ذلك كله، يبقى في النفس شيء. يبقى شعور بأن هذا المقال، على جماله وعمقه، ليس إلا مقدمة لكتاب لم يكتب بعد، كتاب يفرد لتأريخ ود بدر كمدرسة صنعت الرجال، لا كمحطة عابرة في سيرة أحدهم.
إنه مقال معلم، لا لأنه قال كل شيء، بل لأنه دل على الطريق، وترك للأجيال مهمة أن تكمل الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى