أخر الأخبار

لا تتركوا أبناء الشهداء يدفعون ثمن الكرامة مرتين

من ماتوا لأجلنا… من سيعيش لأجلهم؟

 

 

بقلم : ندي عثمان عمر الشريف

في كل وطن هنالك لحظاتٌ فاصلة، تختبر صدق انتمائه، وعمق وفائه، وقيمة إنسانيته. وفي خضم هذه اللحظات، تبرز تضحياتٌ لا تُقاس بالكلمات، ولا تُردّ بثمن. تضحيات أولئك الذين مضوا في صمتٍ، وتركوا خلفهم فراغًا لا يُملأ… لكنهم تركوا لنا أيضًا وطنًا كان يمكن أن يضيع.
شهداء معركة الكرامة لم يكونوا جميعًا جنودًا يحملون رتبًا رسمية، ولا أسماءً مدونة في سجلات المؤسسات النظامية. كان فيهم المواطن البسيط، والشاب الذي لبّى نداء الأرض، والرجل الذي لم ينتظر تكليفًا، بل تقدّم بدافع الواجب. هؤلاء، الذين لم ينضووا تحت مظلة رسمية، لم يكونوا أقل تضحية، ولا أقل شرفًا… بل ربما كانوا أكثر نقاءً في الدافع، وأكثر صدقًا في العطاء.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بصدق: ماذا بعد الشهادة؟
هل تنتهي القصة عند لحظة الفقد؟
هل يُترك الأبناء لمواجهة الحياة وحدهم؟
هل تتحمل الأمهات وجع الغياب، وعبء المستقبل، في صمتٍ لا يسمعه أحد؟
كفالة أسر هؤلاء الشهداء ليست عملًا خيريًا عابرًا، ولا مبادرة موسمية تُرفع شعاراتها ثم تُنسى. إنها واجب وطني خالص، وامتحان حقيقي لضمير الدولة والمجتمع معًا. هي ردّ دينٍ مستحق، لا منّة فيه ولا فضل، بل حقٌ أصيل لمن دفع أغلى ما يملك حتى نحيا نحن بكرامة.
إن هذه الأسر لا تحتاج إلى التعاطف بقدر ما تحتاج إلى نظامٍ عادل، يضمن لها حياة كريمة، واستقرارًا مستدامًا. تحتاج إلى تعليمٍ يحفظ لأبناء الشهداء مستقبلهم، وإلى رعاية صحية تصون كرامتهم، وإلى فرصٍ اقتصادية تمنحهم القدرة على الوقوف بثبات، لا الاتكاء على المساعدات.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تمتد لتشمل القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، وكل فردٍ يؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل الصادق. فكل مشروعٍ صغير يُمنح لأسرة شهيد، وكل منحة تعليمية، وكل فرصة عمل… هي لبنة في بناء وطنٍ لا ينسى أبناءه.
إن تجاهل هذه الفئة، أو إقصاءها من منظومة الدعم، لا يُعد فقط تقصيرًا إداريًا، بل هو خلل أخلاقي عميق. لأن العدالة لا تتجزأ، والتضحية لا تُقاس ببطاقة تعريف، ولا تُحددها صفة رسمية. من ضحّى لأجل الوطن، يستحق أن يُحتضن الوطن أسرته.
في نهاية الأمر، الأوطان الحقيقية لا تُقاس بحدودها الجغرافية، بل بقدرتها على الوفاء. الوفاء لمن ضحّى، والوقوف مع من بقي. فإن كنا نبحث عن مستقبلٍ مستقر، وعن وطنٍ متماسك، فعلينا أن نبدأ من هنا… من أسر الشهداء الذين لم يطلبوا شيئًا، لكنهم أعطوا كل شيء.
فكفالتهم ليست خيارًا… بل عهد.
وليست مبادرة… بل التزام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى