
عندما يصبح التفويج عيداً والمغادرة فرحة
…….
في زمن باتت فيه الإجراءات الروتينية تثقل كاهل المواطن، وتسرق من روحه بهجة السفر، يطل علينا مرور ولاية كسلا بصورة مغايرة تماماً. صورة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن ورجل المرور، وتجعل من عملية التفويج الإجباري إلى الولايات الآمنة لحظة إنسانية لا تخلو من دفء المشاعر.
منذ عامين ونحن نرصد عبر عدسة “مسار ميديا”، وبصبر الزميل النحلة عبداللطيف العباس، تحولاً نوعياً في أداء إدارة مرور كسلا. كان يقود هذه الروح الجديدة آنذاك العقيد بابكر النور، ذلك القائد المهني الغيور، الذي لم يكن همه الوحيد تنظيم حركة السيارات، بل خلق حالة من التواصل المجتمعي جعلت من رجل المرور صديقاً للمسافر قبل أن يكون ضابطاً للوائح.
اليوم، ونحن نتابع مشاهد التفويج الأخير من كسلا إلى مختلف الولايات الآمنة، نقف أمام مشهد يستحق التأمل. فبعد انتقال العقيد بابكر النور لدورة الترقي، تسلم الراية العقيد عبدالنبي آدم و الرائد سامح عبدالواحد، الرجل المبتكر للمسؤولية المجتمعية. وفي مشهد يعكس نضج المؤسسة لا الأفراد، سار الرائد سامح على نفس النهج، بل وأضاف إليه. إنه درس في الاستمرارية المؤسسية، أن يأتي قائد جديد لا يهدم ما بناه سلفه، بل يكمل البناء، مدركاً أن النجاح ليس مرتبطاً بشخص بعينه، بل بخطة مدروسة تخدم المواطن.
ما حدث في عملية التفويج الأخيرة يتجاوز مجرد تنظيم حركة المركبات. لقد تحول الموقف إلى كرنفال شعبي مصغر. تجولت كاميرا “مسار ميديا” مع رجال المرور بين تجمعات المواطنين، تخلق جواً من المرح، وتوزع الهدايا على الأطفال، وتجري مسابقات بسيطة تهدف إلى رسم البسمة على وجوه الصغار قبل رحلة قد تكون طويلة وشاقة.
هذه المشاهد الإنسانية لم تمر دون أن تلمس قلوب المغادرين. المواطن الأمين خالد الأمين، الذي كان على متن إحدى البصات المتجهة إلى الولايات الآمنة، عبر بصدق عن مشاعره قائلاً: “نشكر مرور السودان عامة، ونخص بالشكر مرور ولاية كسلا على هذه اللفة الجميلة. بعضنا على هذه الباصات لم يسافر منذ سنتين أو ثلاث، وهذه اللفة أعادت لنا الأمل”. وأضاف برسالة واعية: “علينا أن نتفهم أن التفويج من أجل سلامتنا، وألا ننظر لطول الوقت، فالالتزام به يضمن سلامتنا. ورجل المرور هو عنوان سلامتنا على الطريق”.
هذا الإيمان القاطع من المواطن بدور المرور لم يأت من فراغ. إنه نتاج تراكم جهود سنوات من العمل المتواصل، الذي تجاوز فيه مرور كسلا مفهومه التقليدي كجهة تنفيذية إلى مؤسسة مجتمعية تحتضن المواطن في أحرج لحظاته.
بدون ثرثرة
السيد وزير الداخلية، والسيد اللواء حاتم – مدير الإدارة العامة للمرور.. ما حدث في كسلا يستحق وقفة. يستحق أن يعمم على بقية الولايات. إنها تجربة رائدة في المهنية والفهم الإنساني، أثبتت أن العمل المروري يمكن أن يكون رسالة قبل أن يكون مهمة.
هنا في كسلا، لم يعد المرور مجرد إجراءات تفويج، بل أصبح قصة نجاح ترويها عدسات الكاميرا، وتكتبها ابتسامات الأطفال، وتصدح بها شهادات المسافرين. إنه الحجر الذي ألقي في البركة الساكنة، ليحدث تموجات إيجابية تصل إلى كل من يهمه أمر المواطن السوداني.



